عادل بنونة
إنها لحظة تستوجب وقفة تأمل. فمن النادر أن تتقاطع تقارير بنك المغرب، ومؤسسة وسيط المملكة، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بهذا القدر من الانسجام في التشخيص، رغم اختلاف اختصاصاتها ووظائفها الدستورية. فهل هي مجرد مصادفة زمنية؟ أم أن الأمر يحمل رسالة سياسية ومؤسساتية واضحة إلى الحكومة التي ستنبثق عن الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، مفادها أن مرحلة جديدة تقتضي مراجعة عميقة لأساليب التدبير العمومي؟
يصعب التعامل مع هذه التقارير باعتبارها وثائق قطاعية منفصلة، لأنها في جوهرها تقدم تقييماً مؤسساتياً لحصيلة مرحلة حكومية كاملة (2021-2026)، وتكشف عن اختلالات بنيوية تتجاوز حدود قطاع بعينه لتطال النموذج العام للحكامة وتدبير السياسات العمومية.
لقد تحدث بنك المغرب بلغة الاقتصاد والاستثمار والتشغيل، وتحدث وسيط المملكة بلغة الحقوق الإدارية وجودة المرفق العمومي، بينما تحدث المجلس الأعلى للتربية والتكوين بلغة المدرسة ورأس المال البشري. غير أن هذه المؤسسات الثلاث انتهت إلى الخلاصة نفسها: هناك فجوة عميقة ومتزايدة بين السياسات العمومية كما تُصاغ، وبين النتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.
بعد خمس سنوات من ولاية حكومة عزيز أخنوش، وميزانيات تعد الأكبر في تاريخ المغرب، واستثمارات عمومية غير مسبوقة، وإطلاق أوراش الدولة الاجتماعية وبرامج الدعم الاجتماعي، ما تزال المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تطرح أسئلة جوهرية حول نجاعة الاختيارات الحكومية ومدى قدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين شروط العيش.
ولعل أكثر المؤشرات دلالة ما كشف عنه تقرير بنك المغرب، حين سجل أن معدل البطالة بلغ 13%، وهو مستوى مقلق يعكس محدودية قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص شغل حقيقية، خاصة لفائدة الشباب وحاملي الشهادات. فاقتصاد لا يخلق مناصب الشغل الكافية، مهما حقق من نسب نمو، يظل عاجزاً عن تحقيق تنمية شاملة يشعر المواطن بثمارها.
وقد أبرز التقرير مفارقة لافتة؛ فبينما بلغ معدل النمو الاقتصادي حوالي 4.9%، ظل أثره ضعيفاً على التشغيل والدخل والقدرة الشرائية، بما يكشف عن خلل بنيوي في النموذج الاقتصادي، واتساع الهوة بين المؤشرات الماكرو اقتصادية والواقع الاجتماعي الذي تعيشه الأسر المغربية.
وفي الاتجاه نفسه، أكد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن إصلاح المدرسة المغربية يسير بوتيرة أبطأ من التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع والعالم، وأن إصلاح البرامج والمناهج، باعتباره قلب الإصلاح التربوي، ما يزال يعرف تعثراً واضحاً، رغم مرور عقد على اعتماد الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار، ورغم إطلاق مشاريع من قبيل “مدارس الريادة” التي ما تزال في حاجة إلى تقييم موضوعي ومستقل لقياس أثرها الحقيقي على جودة التعلمات.
أما مؤسسة وسيط المملكة، فقد أعادت التذكير بأن الإدارة العمومية لا تزال تعاني من بطء الإنجاز، وضعف تنفيذ القرارات، واستمرار ممارسات تمس بجودة العلاقة بين الإدارة والمرتفق، بما يؤكد أن إصلاح الإدارة لم يحقق بعد التحول المنشود في خدمة المواطن.
إن قراءة هذه التقارير مجتمعة تقود إلى استنتاج سياسي لا يمكن تجاهله: الأزمة لم تعد أزمة موارد أو إمكانيات، بل أصبحت أزمة حكامة ونجاعة وربط للمسؤولية بالنتائج.
فالدولة لم تبخل بالإمكانات المالية، لكن الأثر ظل دون مستوى التطلعات. ارتفع الاستثمار العمومي، لكن التشغيل لم يتحسن بالشكل المطلوب. وتضاعفت ميزانية التعليم، لكن المدرسة لم تستعد بعد قدرتها على تكوين الرأسمال البشري القادر على مواكبة التحولات. وتوسعت برامج الحماية الاجتماعية، غير أن الفوارق الاجتماعية والمجالية ما تزال قائمة، بينما يشعر جزء واسع من المواطنين بأن كلفة المعيشة ترتفع بوتيرة أسرع من تحسن أوضاعهم الاقتصادية.
لقد راهنت الحكومة على ضخ الموارد المالية وإطلاق الأوراش الكبرى، غير أن التجربة أكدت أن نجاح السياسات العمومية لا يقاس بحجم الميزانيات، بل بقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين.
واليوم، ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، لم يعد السؤال: كم أنفقت الحكومة؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: ماذا حققت؟ وهل انعكس ذلك على حياة المواطن الذي يواجه غلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفوارق الاجتماعية، وارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب؟
إن هذه المؤشرات تستوجب مراجعة عميقة لنمط تدبير السياسات العمومية، لأن استمرار النهج نفسه سيؤدي إلى تعميق الاختلالات وإضعاف الثقة في المؤسسات.
لكن النقد، مهما كان ضرورياً، لا يكفي وحده. فالمرحلة المقبلة تفرض الانتقال من التشخيص إلى الفعل، وهو ما يتطلب إرادة سياسية قوية، وحكومة تمتلك رؤية استراتيجية، وتدرك حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والجيوسياسية التي تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة.
إن حكومة 2026 ستكون مطالبة بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، من خلال نموذج جديد للحكامة يجعل تقييم السياسات العمومية قائماً على أثرها الفعلي في حياة المواطنين، لا على حجم الاعتمادات المرصودة لها أو كثرة المشاريع المعلنة.
وسيكون عليها أن تجعل من التشغيل أولوية وطنية، عبر تحفيز الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وربط منظومة التربية والتكوين بحاجيات الاقتصاد الوطني، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات القادرة على خلق القيمة المضافة ومناصب الشغل المستدامة.
كما أن إصلاح المدرسة المغربية لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل، بل يستوجب مراجعة شاملة للمناهج والبرامج، والارتقاء بتكوين الأطر التربوية، وربط التعليم بالتحولات العلمية والرقمية، باعتبار أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان.
ولا يقل إصلاح الإدارة العمومية أهمية عن ذلك، من خلال ترسيخ ثقافة النجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتبسيط المساطر، وضمان التنفيذ الفعلي للقرارات الإدارية والقضائية، حتى تستعيد الإدارة ثقة المواطن وتتحول إلى رافعة للتنمية بدل أن تكون عائقاً أمامها.
إن الرهان الحقيقي خلال المرحلة المقبلة ليس فقط تحقيق نسب نمو مرتفعة، وإنما تحويل هذا النمو إلى فرص شغل، وعدالة اجتماعية، وخدمات عمومية في قطاع الصحة والتعليم ذات جودة، وتنمية يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
لقد أدت المؤسسات الدستورية دورها في التشخيص والتنبيه، وهي تستحق التقدير على ما قدمته من تقييم موضوعي ومسؤول. أما المسؤولية السياسية، فتقتضي أن تتحول هذه التقارير إلى مرجعية لإعادة بناء السياسات العمومية، لا أن تبقى وثائق تحفظ في الأرشيف.
فالتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد المشاريع التي تعلنها الحكومات، ولا بحجم الميزانيات التي ترصدها، وإنما بقدرتها على تحويل الإمكانات إلى نتائج، والنتائج إلى ثقة، والثقة إلى استقرار وتنمية وعدالة اجتماعية.
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر حكومة 2026، إذا أرادت أن تفتح صفحة جديدة في مسار الإصلاح، وأن تستجيب لتطلعات المغاربة في الكرامة، والإنصاف، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة
Add a Comment