
لعل ما يميز المسار السينمائي للمخرج عزيز السالمي هو التنوع والتأني في اختيار المواضيع الأنسب وذات راهنية عوض الارتماء في حضن الاعمال او الكوميديا التجارية. ا فمن المسرح إلى التلفزيون ثم إلى السينما مسار متعدد الأوجه لا يقاس بالكم ولكن بالكيف.
سينمائيا وقع عزيز السالمي فيلمين مختلفين في الزمان والمكان: الأول “حجاب الحب” (2008) الذي أثار زوبعة سينمائية واجتماعية ذلك انه لأول مرة يطرح فيلم مغربي بطلة ترتدي الحجاب بطريقة عصرية تجعلها نعيش صراعا بين قناعاتها الشخصية وعلاقة عاطفية مناقضة لذلك.
الثاني فيلم “دموع الرمال” (2018) الذي يتطرق إلى معاناة المغاربة معتقلي تندوف وما تعرضوا له من تعذيب وحشي ولاإنساني من طرف البوليساريو. وهي المأساة التي استمرت 40 سن كما يعبر عن ذلك العنوان، وموضوع الفيلم فيه إشارة قوية إلى موضوع الصحراء المغربية والوحدة الترابية التي تعرف اليوم منعطفا تاريخيا هاما يتمثل في اقرار مجلس الأمن لخطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء المغربية. مما يدل على أن السينما لها أهميتها في التعريف والدفاع عن القضايا الوطنية. ومن هذا المنطلق نتساؤل لماذا لم تتم برمجة هذا العمل السينمائي الروائي في القنوات المغربية إلى جانب الأفلام الوثائقية التي تتعاطى مع نفس الموضوع؟
اليوم عزيز السالمي، الآتي من عالم المسرح دراسة واشتغالا، يوقع فيلمه الثالث “الحي -الميت” الذي أنهى تصويره مؤخرا بعد مدة طويلة من الاشتغال على كتابة السيناريو. ذلك أن السالمي من المخرجين الذين يتعبون كثيرا من أجل إنجاز أفلامهم بحيث قد تأخذ منه الفكرة وقتا طويلا كي تأخذ صورتها في سيناريو متميز.
فيلم “الحي الميت” الذي يمثل فيه ثلة من الممثلين المعروفين في الساحة الفنية مثل أنس الباز وفاطمة الزهراء الجوهري، يختلف عن الفيلمين السابقين من حيث الأسلوب والموضوع، فالفيلم يجمع بين النوع البوليسي والغرائبي بموضوع أدبي جديد في الفيلموغرافية المغربية، ذلك أنه يتطرق لقصة أديب “سفيان هموش” الذي يتحسر على مساره وعلى مؤلفاته المتميزة التي لا تجد إهتماما في وسائل الإعلام ولا لدى عامة القراء ، بل حتى إسمه كروائي لا يعرفه إلا القليلون من أصدقاءه الذين يحملون نفس أفكاره. فيقرر ذات يوم أن يضع حدا لحياته كي يحصل على الشهرة التي يحلم بها ويخلد اسمه ورواياته. ذلك أن سفيان هموش الذي سيلج مغامرة إنسانية غريبة الأطوار ومعقدة تشبه لعبة “بازل /لغز” ينطلق من فكرة مفادها أن غالبية المبدعين المرموقين لا يلاقون الاهتمام اللازم بهم ولا يصبحون مشهورين إلا بعد موتهم لتصبح إبداعاتهم ثمينة ومطلوبة لدى الجمهور مثل الكاتب الألماني هاينريش فان كليست الذي يعتبره قدوته.
لكن كاتبنا المخضرم سينتابه شعور الحسرة ذلك أنه إذا مات فإنه لن يتمتع بنشوة هذا المجد و الشهرة، فهو يريد أن يموت وفي نفس الوقت يرى شهرته وتألقه بنفسه، بمعنى أن أي يكون غائبا وفي نفس الآن حاضرا ، أي ميت وحي. فكيف سيجمع يين المتناقضين أو يجد حلا لهذه المعادلة الصعبة؟
وبينما هو غارق في البحث عن حل لمأزقه الوجودي الغريب والعجيب، إذا به ذات يوم يلتقي ب”جاك” الفرنسي الأصل، وتنشأ بينهما صداقة وتوافق في الأفكار و الرؤى. فيبوح “جاك” لصديقه “سفيان” بملله من حياته المليئة بالإحباطات والإنتكاسات، وعلى إثر ذلك قرر الإنتحار. المشكل أنه حاول عدة مرات لكنه لم ينجح. ورغم تلك المحاولات اليائسة ما زال مصمما على الإنتحار باحثا عن وسيلة ناجعة تمكنه من ذلك.
وهنا يقفز إلى ذهن “سفيان” مخطط جهنمي يستطيع به تحقيق حلمه وحل معادلة “الكاتب الحي – الميت”: فإذا كان “جاك” سينتحر لا محالة ، فلماذا لا ينتحر لأجله؟
عندما يسمع “جاك” فكرة صديقه الجديد سيعجب بها: فمادام سينتحر فلماذا لا يقدم هذه الخدمة لسفيان؟
لتنقلنا قصة الفيلم إلى مجموعة من الأحداث المتشابكة والمعقدة التي تجعل من “سفيان” ميت وحي معا.
السؤال الذي يطرح: هل سفيان سيعرف الشهرة التي يحلم بها وهل رواياته ستحقق مبيعات عريضة لدى الجمهور والمكتبات؟
لاشك أن مشاهدة الفيلم هي التي ستجيبنا عن هذا السؤال.
في انتظار ذلك يمكن القول إن قصة الفيلم تحمل في طياتها الإثارة والتشويق والمتعة الممزوجة بالقلق والتساؤل، من خلال فكرة الفيلم المتميزة وأحداثه المشتابكة التي تتسارع وتتصاعد وتيرتها كلما تقدم بطل الفيلم في مغامرته وصراعه من أجل البقاء، وكلما تقدمت التحقيقات البوليسية بخصوص جريمة القتل التي ستنتهي بها القصة. وهي الأحداث التي تدفع بالمشاهد إلى الغوص في النفس البشرية بتعقيداتها وتقلباتها بل وأنانيتها.
وعلاقة بهذه النقطة فالفيلم يلامس تيمات ذات بعد إنساني وفلسفي مثل تيمة الموت وتيمة الهجرة وتيمة االغربة (الداخلية والخارجية) وتيمة الازدواجية التي تظهر مسبقا في عنوان الفيلم التي لها دلالتها في الثقافة الشعبية المغربية من خلال المثل الشعبي “حي وميت” والذي يطلق على الشخص الغائب الحاضر أو الشخص الذي لا ينفع ولا يضر.
إذن ازدواجية الشخصيات وازدواجية المفاهيم “الموت-الحياة”، “الأنا-الآخر”، “الجسد – الروح”، “المتعة-التقزز”، “الحب-الكره”، “الاعتراف – الرفض”، “الانتقام – الصفح”. وهي مفاهيم تعكس تعقيدات الظاهرة الإنسانية ورغبتها في الخلود كما الشأن لسفيان هموش الذي يريد أن يموت ويظل حيا كي يرى مجده وشهرته وبالتالي انتصاره على مجتمعه. هذا بالإضافة لحضور شخصية المرأة بقوة في الفيلم ودورها في حياة الكاتب، وهو حضور دائم في سينما عزيز السالمي.
من جهة أخرى تضفي القصة على الفيلم ميزة أخرى تكمن في كونه يغوص في عالم الإبداع الأدبي بأحلامه وإحباطاته التي تعترض الكاتب الذي يصطدم بالواقع خاصة الترويج للأعمال التجارية والتافهة، ذلك أن الكاتب، الذي يكشف زيف الواقع ويفضح تناقضاته ونفاقه، يتطلع من جهة إلى “الإعتراف”، اعتراف محيطه العائلي والاجتماعي بإبداعه، ومن جهة أخرى إلى “العالمية” التي تحقق له الشهرة والمجد من خلال جوائز معترف بها دوليا كجائزة نوبل للآداب.
والتطرق لعالم الإبداع يعني أن الفيلم مليء بالإيحالات الأدبية خاصة على كتاب مشهورين وعلى مؤلفاتهم سواء من العالم العربي او من العالم الغربي مثل تولستوي، إيميل سيورون، أوسكار وايلد، ويليام فولكنير وغيرهم، مما يعطي للفيلم عمقه وبعده الفكري يوسع شريحة المشاهدين، وإن كان الفيلم يعتمد أولا وقبل كل شيء على الصراع بين شخصيتين من اجل البقاء وعلى عنصر الجريمة كخيط ناظم للحبكة الدرامية.
إن قصة فيلم “الحي-الميت” للمخرج عزيز السالمي غنية بالإثارة والتشويق وتعد بالشيء الكثير سينمائيا وفنيا، لكن يسظل ذلك رهينا بأسلوب الإخراج والرؤية الفنية للمخرج بما في ذلك اختيار الديكور وإدارة الممثل وبنوع المونتاج المستعمل واختيار الموسيقى التصويرية الملائمة لعوالم الفيلم المتعددة والتي ستكلف بها المخرج كمال كمال المتخصص في هذا المجال. وهو الشيء الذي سيقف عليه المتفرج عندما يخرج الفيلم للقاعات السينمائية.
ختاما لطالما أثار الإبداع الأدبي شغف صناع السينما لمكانة الكاتب الأسطورية في المتخيل الجماعي، ولأن هناك علاقة حميمية بين الأدب والسينما، ليس فقط على مستوى الاقتباس فقط (فهناك العديد من الأفلام العربية والغربية التي اقتبست من عدة روايات) ولكن لأن الفضاء السينمائي يشعر بأنه يقترب من سر الفعل الإبداعي، بحيث يصبح الكاتب شخصية من شخصيات الخلق السينمائي أو موضوع سينمائي يتوارى المخرج/المبدع من ورائه.
