شريط الاخبار

خط أنابيب الغاز الأطلسي الإفريقي.. كيف تحول مشروع مغربي-نيجيري إلى رهان جيوسياسي لغرب إفريقيا؟

خط أنابيب

خصصت منصة أتاليا الإسبانية التي تعنى بالشؤون السياسية والاقتصادية والدبلوماسية في منطقة البحر الأبيض المتوسط والعالم العربي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. تقريرا مطولا حول مشروع خط أنابيب الغاز الأطلسي الإفريقي، الذي قالت إنه لم مجرد مبادرة لنقل الغاز بين نيجيريا والمغرب، بل تحول إلى مشروع استراتيجي متعدد الأبعاد يعيد تشكيل معادلات التعاون الاقتصادي والجيوسياسي في غرب إفريقيا، بعد أن انتقل من إطار ثنائي بين الرباط وأبوجا إلى مشروع إقليمي تتبناه المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).

وأكدت المنصة أن القمة التاسعة والستون لرؤساء دول وحكومات “إيكواس”، المنعقدة يوم 19 يوليوز 2026 في العاصمة السيراليونية فريتاون، شكلت محطة مفصلية في مسار المشروع، بعدما وقع قادة 13 دولة الاتفاقية الحكومية الدولية المنظمة لخط الأنابيب، في خطوة رفعت المشروع من مستوى التوافقات التقنية والوزارية إلى التزام سياسي وسيادي بين الدول الأعضاء.

ويمتد خط الأنابيب المرتقب على مسافة تقارب 6900 كيلومتر، ليربط حقول الغاز في دلتا النيجر بالمغرب، قبل أن يتصل بالشبكة الأوروبية، ما يجعله أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة الإفريقية. غير أن أهمية المشروع، بحسب التقرير، تتجاوز الجانب الطاقي، ليصبح أداة لتعزيز التكامل الإقليمي وإعادة رسم العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين إفريقيا وأوروبا.

مسار بدأ قبل عقد

تعود بدايات المشروع إلى سنة 2016، إثر الزيارة الملكية إلى نيجيريا، حيث جرى الاتفاق على إطلاق المبادرة، قبل أن تتوالى الاتفاقيات الثنائية بين المكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن والشركة الوطنية النيجيرية للبترول، لتبدأ بعدها دراسات الجدوى والتخطيط التقني للمشروع.

ويرى التقرير أن تبني “إيكواس” للمشروع لا ينتقص من الدور القيادي للمغرب ونيجيريا، بل يمنحه بعدا إقليميا أوسع، مع استمرار البلدين في قيادة مختلف مراحله من خلال المؤسسات المشتركة التي تشرف على تنفيذه، في انتظار توقيع اتفاقية ثنائية جديدة بين الرباط وأبوجا خلال الربع الأخير من سنة 2026. كما يرتقب توقيع اتفاقية منفصلة مع موريتانيا باعتبارها ليست عضوا في المنظمة الإقليمية.

مشروع يتجاوز الغاز

ويؤكد التقرير أن المشروع لم يعد مجرد خط لنقل الغاز، بل أصبح منصة استراتيجية تضم أبعادا متعددة تشمل الأمن الطاقي، والتكامل الاقتصادي، والتعاون الصناعي، وربط سلاسل الإمداد، وتعزيز المبادرة الأطلسية المغربية، فضلا عن إحداث آليات مؤسساتية وتمويلية جديدة، واستقطاب شركاء دوليين وإقليميين، ما يجعله نظاما جيو اقتصاديا متكاملا أكثر من كونه مجرد بنية تحتية للطاقة.

وحظي المشروع خلال قمة فريتاون بدعم واسع من عدد من قادة ووزراء خارجية دول غرب إفريقيا، الذين اعتبروه خطوة تاريخية لتعزيز الاندماج الاقتصادي وتحفيز الاستثمار وخلق فرص جديدة للتنمية، مع تأكيد التقرير أن هذا الإجماع السياسي سيظل رهينا بمدى التزام الدول المعنية بترجمة مواقفها إلى مساهمات مالية ومؤسساتية خلال المراحل المقبلة.

دول الساحل حاضرة في المشروع

ورغم الخلافات السياسية القائمة بين “إيكواس” وتحالف دول الساحل، يشير التقرير إلى أن مالي وبوركينا فاسو والنيجر ستستفيد من المشروع عبر الربط الإقليمي المزمع، انسجاما مع المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس لتمكين الدول الإفريقية غير الساحلية من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر البنيات التحتية المغربية.

غير أن التقرير يلفت إلى أن هذا الربط لا يزال في إطار الرؤية الاستراتيجية، دون الإعلان عن جدول زمني محدد لإنجازه.

تمويل دولي متعدد الأطراف

ويبرز التقرير أن المشروع يعتمد على هيكل تمويلي واسع يضم مساهمات من الشركة الوطنية النيجيرية للبترول، والبنك الإسلامي للتنمية، وصندوق أوبك، وبنك الاستثمار الأوروبي، إضافة إلى مشاركة إماراتية أعلن عنها سابقا دون الكشف عن قيمتها المالية.

ويرى معدو التقرير أن تنوع مصادر التمويل يشكل عاملا أساسيا لتقاسم المخاطر السياسية والمالية وضمان استمرارية المشروع، مع تقليل تأثير أي خلافات ثنائية محتملة على مسار تنفيذه.

التنفيذ على ثلاث مراحل

ويقسم المشروع إلى ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بربط المغرب وموريتانيا والسنغال بجزء من الشبكة في غرب إفريقيا، ثم ربط منشآت نيجيريا بشبكة الغاز الإقليمية، قبل استكمال الربط النهائي وصولا إلى السنغال، مع توقعات ببدء تشغيل المرحلة الأخيرة في أفق سنة 2036.

ويشير التقرير إلى أن الأشغال الميدانية لم تبدأ بعد، رغم اقتراب إطلاق أولى طلبات العروض الخاصة بالجزء المغربي.

مقارنة مع المشروع الجزائري

ويخصص التقرير حيزا للمقارنة بين خط الأنابيب الأطلسي وخط الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالجزائر.

ويرى أن المقارنة لا ينبغي أن تقتصر على طول الخطوط أو نسبة الإنجاز، إذ بينما يعتمد المشروع الجزائري على تعاون ثلاث دول فقط، يستند المشروع الأطلسي إلى إطار مؤسساتي متعدد الأطراف تقوده “إيكواس”، وهيكلة تمويلية متنوعة، وهو ما يمنحه بعدا سياسيا وإقليميا مختلفا.

تحديات التنفيذ

ورغم الزخم السياسي الذي حظي به المشروع، يؤكد التقرير أن مرحلة التنفيذ ما تزال تواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها تأمين آلاف الكيلومترات من خط الأنابيب، خاصة في المناطق التي تعرف تهديدات أمنية وعمليات قرصنة، إضافة إلى استكمال ترتيبات التمويل، وإحداث الهيئات المشرفة على المشروع، وإطلاق المناقصات الخاصة بالإنجاز.

ويشدد التقرير أيضا على ضرورة الفصل بين هذا المشروع وبين طلب المغرب الانضمام إلى “إيكواس”، موضحا أن المشروع الطاقي يسير في إطار اتفاقيات حكومية وقطاعية مستقلة، بينما يظل ملف العضوية في المنظمة الإقليمية مسارا مختلفا يخضع لاعتبارات سياسية ومؤسساتية خاصة.

تعزيز الدور المغربي

ويخلص التقرير إلى أن المغرب نجح، من خلال هذا المشروع، في ترسيخ موقعه كشريك استراتيجي قادر على التأثير في منظومة الطاقة والخدمات اللوجستية لغرب إفريقيا دون أن يكون عضوا في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، معتبرا أن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان خط أنابيب الغاز الأطلسي الإفريقي سيصبح نموذجا جديدا للتعاون جنوب-جنوب، أم سيظل تجربة استثنائية في القارة الإفريقية.

شارك المقال شارك غرد إرسال
Journal24