
في الحقيقة الفيلم الوثائقي يعد مغامرة سينمائية في مجتمع معظم مكوناته لم تتلقى ثقافة الفيلم الوثاىقي ولم تستوعب اهميته ووظيفته الفكرية والتاريخية والفنية. وخاصة في وقتنا الراهن الذي يكرس المسخ بكل تجلياته (الذاكرة، والهوية والثقافة والقيم والإنسان) وطبعا ذلك ممنهج ومسخر له كل الوساىل المادية والبشرية والإعلامية.
وبالتالي أصبح خوض غمار فيلم وثائقي جاد وينتصر لقضية وطنية مثل قضية الصحراء المغربية ضرب من النضال والمقاومة والايمان برسالة الصورة والسينما. وهذا ما ينطبق على المخرجة لبنى اليونسي وشريطها ” اسرى الانتظار” الذي شارك في مسابقة الأفلام الوثائقية للدورة 25 للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة. واكتفت اللجنة بتنويه خاص للعمل.
ومن شاهد الفيلم ومن سيشاهده (وهذا ضروري انتصارا لقضيتنا وخاصة ونحن نعيش فرحة تاريخية تتجلى في اعتراف المنتظم الدولي بمغربية الصحراء وبالمقترح المغربي لهذا الصراع الذي ضحى المئات من المغاربة بارواحهم من اجله واسروا وعذبوا في سجون العدو) قلت من يشاهد هذا الفيلم الذي يشارك فيه الممثل المقتدر ربيع القاطي بجسده وروحه وجوارحه وهو ابن شهيد الوطن، يكتشف ان المخرجة والطاقم التقني قاموا بمجهود جبار سواء على المستوى الفني والإعداد والبحث عن الأسرى واللقاء بهم وتوثيق ذكرياتهم الماساوية في السجن مع التعذيب من خلال شهادات حية مفعمة بالألم والإنسانية والإخفاقات والٱحلام فضلا عن معاناة أسرهم وخاصة امهاتهم. ومفعمة ايضا بالصمود رغم وحشية التعذيب في سجون البوليساريو.
وعنوان الفيلم له دلالته، اسرى الانتظار، انتظار الفرج والإفراج وانتظار التحرير وايضا انتظار الاعتراف بما قدموا سجناء تندوف مثل سجناء هذا الفيلم-الوثيقة الذين يبوحون بأشياء قد لا نعرفها ولا نتصورها عن معاناتهم وهواجسهم وكوابيسهم وانتظاراتهم لما تبقى من حياتهم. ومع ذلك شاهاداتهم جاءت كلها إيمان وقوة ودروس للأجيال الصاعدة والقادمة. وفي هذا السياق يمكن القول ان الممثل ربيع القاطي بعفويته وبحرقته وبمرارة فقدان الاب الشهيد وفي نفس الوقت الافتخار به، لعب دورا هاما في استخراج الأحاسيس الدفينة لدى الاسرى وصلت لحد البكاء والصمت المعبر حين تعجز الكلمات عن التعبير.
طبعا كل عمل تعترضه عراقيل واحيانا نواقص ولكن مميزات فيلم اسرى الانتظار متعددة من حيث فضاءات الصحراء الجميلة وعاداتها وتقاليدها بعيدا طبعا عن الحياة الحسانية هناك، ثم حركات الكاميرا التي عكست عوالم وكوامن كل شخصية وحكايتها، وهنا تنقلك الكاميرا من اشياء دقيقة والى ديكورات شاسعة، ومن خلالها ننتقل من الماضي إلى الحاضر، فضلا عن المماثلة في عدة مشاهد.
صحيح ان الفيلم الوثاىقي يتطلب شيئا من الصبر والتركيز والمخرج يكون حريصا على عدم السقوط في الرتابة ومدة الفيلم التي قد تكون طويلة احيانا، لكن لغة الفيلم هنا عفوية تجعل من المتفرج جزءا منه وكانه في جلسة عاىلية او مع اصدقاء، كما ان les transitions، لعبت دورا في تكسير هاجس الرتابة وطول مدة الفيلم.
معروف على المخرجة لبنى اليونسي اشتغالها على قضية الصحراء المغربية وخاصة اسرى سجون البوليساريو وصمودهم وبطولاتهم.
حري بنا ان نعترف بنضالها والتزامها بهذا المسار المهني والوطني ايضا، وحري بنا ان نعترف ونكرم “اسرى الانتظار” لتضحياتهم وان كانوا لا ينتظرون جزاء ولا شكورا عندما كانوا على ارض المعركة، خاصة في هذه الظرفية التاريخية التي يعيشها كل المغاربة.
