كشفت صحيفة لوموند الفرنسية، في تحقيق موسع نشرته أمس الجمعة، أن المحكمة الجنائية الدولية واجهت خلال عام 2024 ما وصفته بـ**”العام الأسود”**، بعد تعرضها لسلسلة غير مسبوقة من الضغوط والتهديدات السياسية والاستخباراتية، هدفها الحيلولة دون إصدار أو تنفيذ مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين كبار، على رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت.
ووفق التحقيق، فإن المحكمة الجنائية، منذ إنشائها، لم تُواجه تحديات بمثل هذا الحجم، حيث بلغت الضغوط ذروتها عقب إعلان المدعي العام كريم خان في مارس 2024 نيته التقدم بلائحة اتهام رسمية ضد نتنياهو وغالانت، بتهم تتعلق بجرائم حرب في الأراضي الفلسطينية.
في أعقاب هذا الإعلان، فرضت الولايات المتحدة عقوبات مباشرة على أربعة قضاة في المحكمة وعلى خان نفسه، كما قاد مسؤولون أميركيون حملة ضغط مكثفة، من بينهم وزير الخارجية آنذاك أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، بهدف ثنيه عن المضي قدماً في الملف.
ونقلت لوموند عن المحامي البريطاني أندرو كايلي، أحد أبرز المكلفين بالملف الفلسطيني داخل المحكمة، قوله إنه عاش خلال العام المنصرم “أسوأ شهور حياته المهنية”، بعد تلقيه تهديدات مباشرة واعتباره “عدواً لإسرائيل”، ما دفعه إلى الاستقالة في مارس 2025 والعودة إلى بريطانيا، تخوفاً من عقوبات محتملة مع عودة دونالد ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة.
كما أفادت الصحيفة بأن وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون أجرى مكالمة غاضبة مع كريم خان خلال زيارته لفنزويلا، حذره فيها من أن بريطانيا قد تنسحب من نظام روما الأساسي إذا واصل متابعة المسؤولين الإسرائيليين.
في سياق متصل، أشار تحقيق لوموند إلى وثيقة صادرة عن الاستخبارات الهولندية بتاريخ 17 يوليوز 2024، خلصت إلى أن المحكمة الجنائية الدولية أصبحت هدفاً مغرياً لعمليات التجسس والتأثير الخارجي، خاصة من طرف الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما فاقم الشكوك بشأن اختراق محتمل لبعض دوائر المحكمة.
كما شهدت العلاقة بين المدعي العام خان ومستشاره الأميركي توماس لينش توتراً متصاعداً، في ظل اتهامات ضمنية بالتأثر بتوجيهات خارجية، ما أدى إلى اهتزاز الثقة داخل فريق الادعاء في مرحلة وصفتها الصحيفة بـ”الحساسة للغاية”.
ومن أبرز ما كشفه التحقيق، اجتماع عُقد في 1 ماي 2024 بلاهاي، جمع المدعي العام خان بالمحامي الإسرائيلي نيكولاس كوفمان، وجاء بعد لقاء للأخير مع روي شوندورف، المستشار القانوني لرئيس الوزراء الإسرائيلي.
وبحسب تقرير داخلي اطّلعت عليه الصحيفة، فقد حثّ كوفمان خان على تغيير تصنيف ملف مذكرة توقيف نتنياهو من “سري” إلى “سري للغاية”، بما يسمح لإسرائيل بالوصول إلى مضمونه رسميًا. كما وجه له تحذيرًا صريحًا مفاده:”إذا مضيتَ في هذا المسار، فستُدمَّر شخصياً، وستُدمَّر المحكمة.”
تجدر الإشارة إلى أن مذكرات التوقيف، التي تم إصدارها لاحقًا رغم كل الضغوط، لا تزال تقيد حرية حركة نتنياهو وغالانت دولياً، إذ يتجنبان السفر إلى دول موقعة على نظام روما، تفادياً لمخاطر الاعتقال.
وتختم لوموند تحقيقها بالتأكيد على أن هذه الضغوط تمثل تحدياً مباشراً لاستقلال القضاء الدولي، وتطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة المحكمة على محاسبة المسؤولين، أياً كانت هويتهم، في ظل التوازنات الجيوسياسية العالمية.
