يحظى مهرجان عيساوة: ثقافة، مقامات وإيقاعات عالمية بمكانة ثقافية وفنية متميزة، باعتباره تظاهرة تُنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، وتهدف إلى صون التراث العيساوي الأصيل، والتعريف به، والإنفتاح على التجارب الموسيقية العالمية. وهو ما يجعل سقف التطلعات مرتفعًا لدى الجمهور والفنانين والأسرة الإعلامية على حد سواء.
ولا شك أن الدورة الحالية شهدت نجاحًا على مستوى البرمجة الفنية والإقبال الجماهيري، غير أن نجاح أي مهرجان لا يُقاس فقط بجودة العروض، بل أيضًا بمدى إحترام مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وحسن التنظيم، وخاصة في ما يتعلق بالتعامل مع مختلف الشركاء، وفي مقدمتهم رجال ونساء الإعلام.
ومن أبرز الملاحظات التي أثارها عدد من المهنيين، طريقة توزيع شارات (البادجات) الخاصة بالصحافة، حيث لوحظ – بحسب ما تمت معاينته – حصول أشخاص لا يمارسون العمل الصحفي ولا يتوفرون على أي صفة مهنية في المجال الإعلامي على هذه الشارات، في وقت كان من المفترض أن تُمنح للصحافيين المهنيين والمؤسسات الإعلامية التي تواكب فعاليات المهرجان.
وإذا ثبتت صحة هذه الملاحظات، فإنها تطرح تساؤلات مشروعة حول المعايير المعتمدة في عملية التوزيع، ومدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص والشفافية، بما يضمن وصول هذه الامتيازات إلى مستحقيها، ويحافظ على قيمتها المهنية ومصداقيتها.
كما سجل عدد من الصحافيين ملاحظات أخرى تتعلق بظروف استقبال الأسرة الإعلامية، من بينها غياب بعض الخدمات الأساسية التي من شأنها تسهيل أداء مهامهم، خصوصًا خلال التغطيات الميدانية التي تمتد لساعات طويلة. فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو شريك أساسي في إنجاح أي تظاهرة، ويستحق ظروف عمل تليق بالمهمة التي يؤديها وبقيمة الحدث الذي يواكبه.
ومن بين الملاحظات التي تستحق التوضيح أيضًا، غياب ندوة صحفية تسبق انطلاق المهرجان أو ترافقه، وهي محطة أساسية في كبريات التظاهرات الثقافية، تُمكّن وسائل الإعلام من طرح الأسئلة المتعلقة بالبرمجة، والميزانية، ومصادر التمويل، ومعايير اختيار المشاركين، إضافة إلى مختلف الجوانب التنظيمية، بما يعزز الحق في الوصول إلى المعلومة ويكرس مبدأ التواصل والشفافية.
إن طرح هذه الملاحظات لا يهدف إلى الانتقاص من قيمة المهرجان أو التقليل من الجهود المبذولة لإنجاحه، وإنما يندرج في إطار النقد المسؤول والبناء، الذي يروم المساهمة في تطوير هذه التظاهرة الثقافية حتى تظل في مستوى الرعاية السامية التي تحظى بها، وتقدم صورة تليق بمدينة مكناس وبالتراث العيساوي العريق.
ويبقى الأمل معقودًا على اللجنة المنظمة في التفاعل الإيجابي مع هذه الملاحظات، والعمل على معالجتها خلال الدورات المقبلة، لأن قوة المهرجانات الكبرى لا تكمن فقط في نجاح عروضها الفنية، بل أيضًا في قدرتها على الإنصات للنقد البناء، وتحويل الملاحظات إلى فرص حقيقية للتطوير، بما يعزز الثقة ويرسخ الاحترافية ويرتقي بصورة المهرجان عامًا بعد عام.

