أفاد تقرير حديث نشره مركز MEPEI – Journal MENA in Focus بأن الجزائر تشهد تراجعًا ملحوظًا في نفوذها السياسي والأمني داخل منطقة الساحل الإفريقي خلال السنوات الثلاث الماضية، في وقت تتقدم فيه المملكة المغربية بثبات نحو تعزيز حضورها الاقتصادي والجيوسياسي في الإقليم.
من أبرز المؤشرات التي عكست هذا التراجع، تجميد مشروع خط أنابيب الغاز الثلاثي الذي كان من المفترض أن يربط الجزائر بنيجيريا عبر النيجر، بعد أن أوقفت نيامي الدراسات النهائية المتعلقة به، ما شكّل انتكاسة كبرى للطموحات الجزائرية في تأمين خط طاقة استراتيجي نحو غرب إفريقيا.
التوترات تفاقمت بين الجزائر والنيجر أيضاً بسبب سياسة ترحيل المهاجرين. فقد رحّلت الجزائر ما يزيد عن 20 ألف مهاجر نيجري العام الماضي في ظروف وصفتها منظمة Alarme Phone Sahara بأنها “قاسية”، مما دفع نيامي إلى استدعاء السفير الجزائري للاحتجاج الرسمي.
وعلى الصعيد الأمني، تسبب إسقاط طائرة مسيّرة تابعة لمالي بواسطة نيران جزائرية في نشوب أزمة دبلوماسية مع تحالف دول الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، أسفرت عن إغلاق مالي لمجالها الجوي أمام الطيران الجزائري، وسحب عضويتها من آليات التنسيق الأمني المشترك.
في المقابل، تستغل الرباط هذه التحولات لتعزيز نفوذها من خلال استراتيجية براغماتية تركّز على الاقتصاد والتكامل الإقليمي. ففي ديسمبر 2023، أعلنت المغرب عن مبادرة تُمكّن دول الساحل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، وتشاد) من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية، بهدف كسر العزلة الجغرافية لهذه الدول وتعزيز اندماجها الاقتصادي.
وتُعد موريتانيا اليوم جزءًا من هذه الدينامية الجديدة، إذ توقفت عن استقبال قيادات جبهة البوليساريو، وتعمّقت علاقاتها الاقتصادية مع الرباط. في السياق ذاته، يواصل المغرب تنفيذ مشروع أنبوب الغاز الأطلسي مع نيجيريا، والذي يمر عبر 15 دولة إفريقية، على امتداد 5600 كيلومتر، بطاقة استيعابية تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويًا.
وفي يونيو 2022، أطلقت الرباط مبادرة “إفريقيا الأطلسية”، الرامية إلى تأسيس تكتل إقليمي يضم 23 دولة إفريقية، يركّز على الأمن البحري، الاقتصاد الأزرق، وربط شبكات الطاقة.
في مواجهة هذه التطورات، تسعى الجزائر إلى تعزيز تواجدها الاقتصادي في موريتانيا، باعتبارها بوابة إلى أسواق الساحل وغرب إفريقيا. فقد دشّنت الجزائر خطًا بحريًا مباشرًا نحو ميناء نواذيبو، وشرعت في تنفيذ طريق بري يربط تندوف الجزائرية بمدينة الزويرات الموريتانية، بطول 700 كيلومتر.
وأدى هذا النشاط إلى تضاعف حجم التبادل التجاري بين الجزائر وموريتانيا من 50 مليون دولار في 2018 إلى 414 مليون دولار في 2023. ومع ذلك، فإن الحضور الروسي عبر مجموعة “فاغنر” في دول الساحل الثلاث، أضعف النفوذ الأمني الجزائري، وخلق منافسة مباشرة في ملف مكافحة الإرهاب.
وتفاقمت الخلافات بين الجزائر وتحالف دول الساحل بسبب تباين مقاربات التعامل مع الأزمات؛ إذ تفضل الجزائر الوساطة السياسية، بينما تميل الأنظمة العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى الحلول الأمنية المباشرة.
وخلص التقرير إلى أن الجزائر، رغم تراجع تأثيرها، لا تزال فاعلًا لا يمكن تجاهله في معادلة الأمن بمنطقة الساحل. إلا أن المغرب بات يُنظر إليه كقوة صاعدة ذات مشروع تنموي متكامل في غرب إفريقيا، مدعوم بعلاقات متينة مع دول الساحل واستثمارات استراتيجية.
غير أن التقرير حذّر من أن تعدد المبادرات والمقاربات الإقليمية والدولية غير المنسقة، قد يُجهض أي جهود تنموية أو استقرار طويل الأمد في هذه المنطقة شديدة الهشاشة إذا لم تُدار التحولات بعناية سياسية واستراتيجية دقيقة.
