في الوقت الذي تنتظر فيه ساكنة مكناس أجوبة واضحة وشافية حول ملف النقل الحضري، وما رافقه من أزمة غير مسبوقة أثقلت كاهل المواطنين، وجد عدد من المهنيين في قطاع الصحافة أنفسهم أمام سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف يتم التواصل بين مؤسسة منتخبة ووسائل الإعلام التي يفترض أن تكون شريكاً أساسياً في إيصال المعلومة إلى الرأي العام؟
فقد عقد رئيس مجلس جماعة مكناس، صباح اليوم، ندوة صحفية خُصصت، بحسب المعطيات المتداولة، لتسليط الضوء على عدد من الملفات، وفي مقدمتها موضوع النقل الحضري، غير أن عدداً من المنابر الإعلامية لم تتوصل بأي دعوة أو إشعار مباشر لحضور هذا اللقاء.
وبحسب ما عاينه عدد من المهنيين، فقد تم الإعلان عن الندوة عبر صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي الصفحة التي سبق أن أثارت نقاشاً بخصوص طبيعتها وصفة تمثيلها، في وقت كان من المنتظر، مهنياً ومؤسساتياً، أن يتم توجيه الدعوات إلى المنابر الإعلامية بشكل واضح ومباشر، بما يضمن تكافؤ الفرص بين مختلف وسائل الإعلام.
وهنا لا يتعلق الأمر برغبة صحافي في حضور لقاء بعينه، ولا بمحاولة البحث عن دعوة شخصية، وإنما يتعلق الأمر بمبدأ أوسع وأهم: احترام الصحافة ومهنييها، واعتماد قنوات تواصل مؤسساتية واضحة تحفظ مكانة الإعلام وتضمن وصول المعلومة إلى الجميع دون انتقائية أو غموض.
فالصحافي ليس مطالباً، في الأصل، بأن يطارد أخبار المؤسسات التي يغطي أنشطتها، أو أن يبحث يومياً في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لمعرفة ما إذا كانت هناك ندوة صحفية ستُعقد أم لا.
بل إن الأصل في العلاقة المهنية هو أن تبادر المؤسسة، عندما تريد حضور وسائل الإعلام، إلى التواصل معها عبر قنوات واضحة، سواء من خلال البريد الإلكتروني المهني، أو البلاغات الصحفية، أو التواصل المباشر مع المنابر، أو عبر الجهة المكلفة بالتواصل داخل المؤسسة.
والمسألة هنا ليست بروتوكولاً شكلياً، وإنما احترام متبادل للأدوار.
فكما أن الصحافي مطالب باحترام المؤسسة والمسؤولين الذين يمثلونها، فإن المؤسسة بدورها مطالبة باحترام الصحافي ووسيلته الإعلامية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات تهم آلاف المواطنين.
والأكثر إثارة للتساؤل أن الندوة تأتي في ظرفية حساسة جداً بالنسبة لمدينة مكناس، وفي مقدمة الملفات المطروحة أزمة النقل الحضري التي طال أمدها وأصبحت واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً لدى الساكنة.
وكانت جماعة مكناس قد أعلنت في وقت سابق عن مستجدات مرتبطة بالمرفق، فيما أفادت معطيات حديثة بأن الجماعة تتجه إلى تدبير انتقالي للنقل الحضري، مع الحديث عن استئناف تدريجي للخدمة، إلى جانب ترتيبات مرتبطة بالحافلات المستعملة وانتظار الأسطول الجديد.
وهنا كان من الطبيعي أن تكون وسائل الإعلام حاضرة بقوة، ليس فقط لنقل ما سيقوله رئيس الجماعة، وإنما لطرح الأسئلة الحقيقية التي ينتظر المواطن المكناسي أجوبتها.
متى ستعود الحافلات فعلياً إلى شوارع مكناس؟
كم عدد الحافلات التي ستدخل الخدمة في المرحلة الأولى؟
ما هي الخطوط التي ستُعطى لها الأولوية؟
هل سيكون النقل الحضري قادراً على تلبية حاجيات التلاميذ والطلبة والعمال والموظفين؟
ما مصير مستخدمي الشركة السابقة؟
ما هي الكلفة المالية التي ستتحملها الجماعة خلال المرحلة الانتقالية؟
ومن سيتحمل مسؤولية الاختلالات التي أوصلت المرفق إلى هذه الوضعية؟
وهل من الطبيعي أن تجد مدينة بحجم مكناس نفسها، لأشهر، أمام أزمة خانقة في مرفق حيوي من هذا الحجم؟
هذه وغيرها أسئلة كان من المفترض أن تجد طريقها إلى طاولة الندوة الصحفية، وأن تُطرح مباشرة على رئيس المجلس، بكل احترام ووضوح، لأن دور الصحافة ليس التصفيق للمسؤول، كما أنه ليس مهاجمته، وإنما مساءلته باسم المواطن.
والصحافة المهنية لا تأتي إلى الندوات من أجل المجاملة، ولا تبحث عن الصور والبروتوكول، وإنما تأتي لتسأل وتستفسر وتدقق وتنقل للرأي العام ما يقوله المسؤول، ثم تضعه أمام المواطن.
ومن هذا المنطلق، فإن غياب بعض المنابر الإعلامية عن هذه الندوة لا ينبغي أن يُفهم على أنه موقف من شخص رئيس الجماعة، ولا رفض لمؤسسة المجلس، وإنما هو نتيجة طبيعية لعدم التوصل بالإشعار أو الدعوة بالطريقة المهنية التي تليق بعلاقة مؤسسة منتخبة بجسم صحفي يشتغل يومياً على قضايا المدينة.
بل إن الأمر يستحق فتح نقاش أوسع حول التواصل المؤسساتي لجماعة مكناس مع الإعلام المحلي.
فالجماعة ليست ملكاً لشخص أو لحزب أو لفريق سياسي، وإنما هي مؤسسة عمومية منتخبة، والإعلام بدوره ليس تابعاً لها، وإنما يقوم بدوره في نقل الأخبار ومساءلة المسؤولين ومواكبة الشأن العام.
وقد سبق لرئيس جماعة مكناس أن أكد، في مناسبة صحفية سابقة، على أهمية الإعلام في مواكبة الشأن المحلي، وعلى أن التواصل مع الجسم الصحفي ينبغي أن يشكل جسراً بين الجماعة والرأي العام.
ومن هنا يأتي السؤال المشروع:
إذا كان الإعلام شريكاً في إيصال المعلومة إلى المواطن، فلماذا لا يتم التواصل معه بشكل مباشر ومنظم؟
نحن لا نبحث عن امتيازات، ولا نطالب بمعاملة خاصة، ولا ننتظر أن تُفتح لنا الأبواب دون سؤال أو مساءلة.
نريد فقط تواصلاً مهنياً يحترم الجميع.
فالصحافي يستطيع الوصول إلى المعلومة، ويستطيع متابعة أنشطة الجماعة، ويمكنه حتى أن يبحث بنفسه عن أخبارها، لكن عندما يتعلق الأمر بندوة صحفية موجهة إلى الإعلام، فإن المسؤولية المهنية تقتضي أن تكون الدعوة واضحة ومتكافئة لجميع المنابر، لا أن يُترك الصحافي أمام خيار البحث عن المعلومة في هذه الصفحة أو تلك.
وفي نهاية المطاف، فإن القضية ليست قضية “دعوة” فقط.
إنها قضية احترام للإعلام، وحق المواطن في المعلومة، ومسؤولية المؤسسة المنتخبة في التواصل بشفافية مع الرأي العام.
أما الأسئلة المتعلقة بالنقل الحضري، فهي أكبر من أن تختزل في ندوة صحفية أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
ساكنة مكناس تريد جواباً واضحاً، وتريد تاريخاً محدداً، وتريد أن تعرف ماذا فعلت الجماعة، وماذا ستفعل، ومتى ستعود الحافلات إلى الشوارع، وكيف سيتم ضمان استمرارية هذا المرفق مستقبلاً.
والصحافة، بكل بساطة، تريد أن تسأل.
ليس من أجل التشويش، وليس من أجل الخصومة، وإنما من أجل المواطن.
فالمسؤول المنتخب يُسائلُه المواطن، والصحافة هي إحدى أهم الأدوات التي تمكن المواطن من مساءلة من انتخبهم.
وفي النهاية، لا يصح إلا الصحيح.



