بينما كانت المنصّة السياسية صباح اليوم بمنطقة سلوان تعجّ بالشعارات الرنّانة والوعود الكبيرة، كان الواقع على الأرض، وعلى الطريق المؤدية إلى خيمة رئيس الحكومة، يقدّم رواية مغايرة تماماً، رواية أكثر قسوة وأبعد ما تكون عن لغة الخطب المصقولة.

اللقاء الحزبي الذي نظّمه حزب التجمع الوطني للأحرار جاء محمّلاً بخطاب انتخابي مُتقن في الصياغة، غني بمفردات التفاؤل والإنجاز، لكنه بدا فقيراً في ملامسة الواقع اليومي الذي يعيشه المواطن، وخاصة فئة الشباب. حديث متكرر عن التنمية، وفرص الشغل، وتحسين شروط العيش، قُدِّم تارة بلغة التملّق، وتارة أخرى بصفة “المسؤولية الحكومية”، غير أن إقليم الناظور، بما يرزح تحته من بطالة مرتفعة، وهشاشة اجتماعية، ومشاريع متعثرة، كان الغائب الأكبر عن مضمون الخطاب.
فكيف يمكن إقناع شباب فقدوا الثقة في أبسط مقومات العيش الكريم، بأن المستقبل يُبنى بالكلمات لا بالإنجازات؟ وكيف يُطلب منهم الإيمان بوعود جديدة، بينما الوعود السابقة ما تزال دون أثر ملموس في حياتهم اليومية؟
الصورة التي التُقطت خارج فضاء اللقاء كانت، بالنسبة لكثيرين، أبلغ من كل الخطب. صورة شباب يغامرون بحياتهم بحثاً عن منفذ للهجرة غير النظامية، تختصر حجم اليأس الاجتماعي، وتوجّه رسالة صامتة لكنها قوية إلى رئيس الحكومة وحاشيته، مفادها أن الخطاب السياسي ما يزال منفصلاً عن نبض الشارع. كما تعزز الانطباع العام بأن الزيارة لم تتجاوز حدود الاستعراض السياسي الموسمي، دون ملامسة حقيقية لجذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها المنطقة.
الناظور، مثلها مثل مدن جهة الشرق، لا تحتاج إلى المزيد من الوعود، بقدر ما تحتاج إلى محاسبة فعلية على الوعود السابقة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ. ولا تحتاج إلى شعارات عن “فرص الاستثمار”، في وقت يصطف فيه شبابها على قوارب الهجرة السرية، أو يعيشون على هامش سوق الشغل، بلا أفق واضح ولا بدائل واقعية.
اللقاء الحزبي الذي احتضنته سلوان كشف، وإن بشكل غير مباشر، عمق الهوة بين لغة السياسيين وخطاب المنصّات، وبين واقع اجتماعي مثقل بالإحباط والانتظارات المؤجلة. فحين تتحول التنمية إلى ورقة انتخابية، ويُختزل الألم الاجتماعي في فقرات خطابية منمّقة، تصبح السياسة عبئاً إضافياً على المواطن، بدل أن تكون أداة حقيقية لمعالجة أزماته.



