من ملاعب كرة القدم إلى دهاليز المالية والميزانية، استطاع فوزي لقجع أن يتحول خلال سنوات قليلة إلى واحد من أبرز الوجوه داخل المشهد الحكومي المغربي. فمنذ تعيينه وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية سنة 2021، أصبح اسمه مرتبطاً بعدد من أكبر الأوراش والقرارات المالية التي مست بشكل مباشر حياة المغاربة.

لقجع دخل عالم السياسة من بوابة الأرقام، لكنه وجد نفسه أمام سؤال أكبر من مجرد تحقيق التوازنات المالية: هل يمكن إصلاح مالية الدولة دون أن يشعر المواطن البسيط بثقل الإصلاح؟
من أبرز الملفات التي دافع عنها لقجع، إصلاح صندوق المقاصة، وهو إصلاح تعتبره الحكومة ضرورياً لإعادة توجيه الدعم نحو الفئات المستحقة. وقد تم الشروع تدريجياً في تقليص دعم عدد من المواد، مقابل توسيع منظومة الدعم الاجتماعي المباشر.
على الورق، تبدو المعادلة منطقية: تقليص دعم عام يستفيد منه الجميع، وتعويضه بدعم مباشر يستهدف الأسر المحتاجة. لكن في الواقع، المواطن المغربي لم يكن يعيش داخل جداول الميزانية، بل داخل السوق، حيث ارتفاع الأسعار أصبح جزءاً من يوميات الأسر.
وهنا تبرز إحدى أكبر نقاط الانتقاد الموجهة إلى هذا التوجه: الإصلاح المالي قد يكون ضرورياً، لكن السؤال الحقيقي هو من يتحمل كلفته؟
فالمواطن الذي يدفع ثمن المحروقات والنقل والغذاء والخدمات، لا ينظر إلى العجز والمديونية بالطريقة نفسها التي ينظر بها خبير المالية إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي.
وفي المقابل، جاء ورش الدعم الاجتماعي المباشر كأحد أبرز القرارات التي ارتبطت بتدبير لقجع للميزانية. الحكومة خصصت لهذا الورش موارد مالية مهمة، ووصلت الكلفة السنوية المعلنة للدعم المباشر إلى حوالي 50 مليار درهم.
لكن حتى هذا الورش لم يخلُ من الانتقادات. فالدعم المباشر، رغم أهميته بالنسبة للأسر المستفيدة، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن معالجة الأسباب التي تجعل ملايين الأسر في حاجة إلى الدعم أصلاً.
وهنا يمكن طرح السؤال بصراحة: هل المطلوب أن يستمر المواطن في تلقي الدعم، أم أن تتحول الميزانية إلى أداة لخلق فرص الشغل ورفع الأجور وتحسين الخدمات العمومية حتى يصبح المواطن أقل اعتماداً على الدعم؟
ومن القرارات التي أثارت النقاش أيضاً التوجهات الضريبية التي حملتها قوانين المالية، وسط انتقادات اعتبرت أن بعض الإجراءات لم تكن دائماً بالحدة نفسها تجاه مختلف الفئات الاقتصادية، خصوصاً في ظل شعور جزء من الطبقة المتوسطة والمقاولات الصغيرة بأن الضغط الضريبي والإداري ما يزال مرتفعاً.
لقجع، من جهته، يصر على منطق «الواقعية» والحفاظ على التوازنات المالية للدولة، وهو منطق مفهوم من زاوية تدبير المالية العمومية. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الأرقام جيدة على الورق، بينما يظل المواطن يسأل عن أثرها في قدرته الشرائية، وعن جودة التعليم والصحة والنقل والخدمات العمومية.
الرجل الذي نجح في بناء صورة «الجوكر» داخل كرة القدم، يجد نفسه اليوم أمام امتحان مختلف تماماً.
في الرياضة، النتيجة تظهر في لوحة الملعب خلال 90 دقيقة. أما في الاقتصاد والميزانية، فالنتيجة لا تظهر بسرعة، وقد يحتاج المواطن سنوات حتى يشعر بها.
ولهذا فإن تقييم تجربة فوزي لقجع في الميزانية لا يجب أن يكون بمنطق الدفاع المطلق أو الهجوم المطلق.
نعم، هناك أوراش مالية واجتماعية مهمة تم إطلاقها، وهناك انتقال من نموذج دعم عام إلى دعم مباشر للأسر، كما أن الدولة تحاول الحفاظ على توازناتها المالية. لكن في المقابل، يبقى السؤال المشروع: هل كانت كلفة هذه الإصلاحات موزعة بشكل عادل على جميع المغاربة؟
فالمغربي لا يريد فقط أن يسمع أن العجز انخفض أو أن المؤشرات المالية تحسنت؛ بل يريد أن يرى ذلك في راتبه، وفي ثمن المواد الأساسية، وفي المستشفى العمومي، وفي المدرسة، وفي النقل، وفي فرص الشغل.
وهنا تحديداً سيكون الحكم الحقيقي على فوزي لقجع: ليس بعدد الأرقام التي دافع عنها أمام البرلمان، وإنما بمدى قدرة تلك الأرقام على تحسين حياة المواطن المغربي.
فبين نجاحات الأرقام وثقل الأسعار.. يبقى المواطن هو الحكم الأخير على تجربة «جوكر» انتقل من الملعب إلى الميزانية



