الملك مجلس النواب يقظة مسودة

خليل بن السهبة يكتب: خطاب العرش.. القرآن الكريم يؤطر فلسفة الحكم

جورنال24 12 أغسطس 2026 - 19:26

يأتي خطاب العرش في سياق وطني ودستوري تتجدد فيه أواصر البيعة والولاء بين العرش والشعب، في ظل إمارة المؤمنين، بما يجعل هذه المناسبة ذات دلالة تتجاوز الاحتفاء بذكرى اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، نصره الله، عرش أسلافه المنعمين. فالبيعة في التجربة المغربية ليست مجرد موروث رمزي، وإنما هي مؤسسة متجذرة في التاريخ، تنتظم من خلالها العلاقة بين الأمة والعرش، وتتداخل فيها الأبعاد الدينية والتاريخية والدستورية، بما يمنح خطاب العرش خصوصيته ومكانته داخل بنية الدولة المغربية.

ومن هذا المنطلق، يجدد خطاب العرش بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك على العرش، التأكيد على الكيفية التي تنتظم بها المرجعية الدينية داخل البناء الدستوري للدولة المغربية. فالمسألة تجاوزت حضور بعض المفاهيم أو الاستشهاد بالآيات القرآنية، لتبرز الكيفية التي ينسج بها جلالة الملك العلاقة بين المرجعية الدينية ومؤسسات الدولة، في إطار إمارة المؤمنين التي تشكل إحدى الخصوصيات المؤسسة للنموذج المغربي.

قراءة الخطاب الملكي تبرز أن القرآن الكريم يحضر باعتباره مرجعية تؤطر فلسفة الحكم، وتمنح العمل العمومي معناه الأخلاقي وأفقه الحضاري. فالأمانة تؤسس تصور المسؤولية، والشكر يؤطر النظر إلى المنجز، والإحسان يمنح خدمة الوطن والمواطن بعدها القيمي. ومن هنا تبدو الآيات القرآنية الواردة في الخطاب مفاتيح لفهم نسق أوسع، تنتظم داخله السياسة والتنمية والاستقرار وخدمة المواطن، ضمن رؤية تجعل القيم الدينية جزءا من الروح التي توجه عمل الدولة، أي أن القرآن، في خطاب العرش، يقدم باعتباره أحد منابع القيم التي تمنح الدولة غاياتها الأخلاقية.

ويكتسب هذا المعنى دلالته منذ بداية الخطاب، حين يستحضر جلالة الملك مشيئة الله تعالى في تحمله مسؤولية قيادة البلاد، ويصف هذه المسؤولية بأنها «أمانة عظيمة» و«مسؤولية جسيمة». فاختيار مفهوم الأمانة في الحديث عن الحكم يضع السلطة في إطار التكليف والمسؤولية، ويستحضر بذلك معنى أصيلا في المرجعية الإسلامية، حيث ترتبط ممارسة المسؤولية بحسن أدائها والوفاء بمقتضياتها.

وتزداد دلالة هذا الاختيار حين ينتقل الخطاب إلى الحديث عن حصيلة سبع وعشرين سنة من العمل، فيحمد الله تعالى ويشكره على ما أنعم به من توفيق وسداد، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. فالآية تأتي في قلب الحديث عن المنجزات، وفي سياق اقتصادي وتنموي وسياسي بامتياز، وهو ما يجعل استحضارها جزءا من بناء المعنى.

فالمنجز، وفق هذا التصور، لا ينفصل عن التوفيق، والاعتراف بالنعمة يقتضي شكر المنعم، والشكر بدوره يفتح أفق الزيادة والاستمرار. وهنا تتجاوز قيمة الشكر بعدها التعبدي إلى بعدها السياسي والأخلاقي؛ إذ يصبح الاعتراف بالمنجز مقرونا بالتواضع أمامه، واستدامة المكتسبات مرتبطة بمواصلة العمل، بما يجعلها ثمرة توجه استراتيجي واضح ومتابعة ونقد ذاتي وتطلع إلى المستقبل.

ون اللافت أن هذا الاستحضار القرآني يتزامن مع تأكيد جلالة الملك أنه لم يبحث يوما عن مجد شخصي أو عن الاعتراف بدور ريادي، وأن ما يهمه هو النهوض بأمانة خدمة المغاربة وتمكينهم من شروط العيش الحر الكريم. وهنا تتكامل دلالة الأمانة والشكر؛ فالحكم أمانة، والمنجز نعمة، والنجاح مسؤولية تقتضي مواصلة العمل. وبهذا تتشكل علاقة خاصة بين المرجعية الدينية وممارسة الحكم، تقوم على تحويل المفاهيم الدينية إلى قيم موجهة للفعل العمومي.

تنجلي هذه العلاقة أيضا في حديث جلالته عن الاستقرار، حين وصفه بأنه أصبح «عملة نادرة»، واعتبره «الرأسمال الاستراتيجي» للمغرب. فالاستقرار الذي يتحدث عنه الخطاب ليس مجرد غياب للاضطرابات، وإنما هو استقرار سياسي ومؤسساتي يشكل شرطا للتنمية، وأساسا لبناء الثقة، وعنصرا من عناصر تعزيز السيادة الوطنية.

وهنا تبرز وظيفة المرجعية الدينية في بناء هذا الاستقرار ضمن النموذج المغربي. فهي توفر، من خلال إمارة المؤمنين، إطارا موحدا للمرجعية الدينية، وتحم المجال الديني من أن يتحول إلى مجال لتنازع الشرعيات والمشروعية الدينية. كما أن ربط ممارسة الحكم بمفهوم الأمانة يجعل السلطة مرتبطة بالمسؤولية وخدمة الصالح العام، وهو ما يساهم في بناء الثقة باعتبارها رصيدا أساسيا من أرصدة الاستقرار.

ومن ثم يمكن قراءة المنطق الذي ينتظم جزءا أساسيا من الخطاب في سلسلة مترابطة: “لأمانة تؤسس المسؤولية، والمسؤولية تعزز الثقة، والثقة تدعم الاستقرار، والاستقرار يوفر شروط التنمية.” وفي هذه السلسلة لا تتدخل المرجعية الدينية بوصفها بديلا عن المؤسسات الاقتصادية والسياسية والإدارية، وإنما باعتبارها رافدا قيميا يساهم في بناء البيئة الأخلاقية والمعنوية التي تعمل داخلها هذه المؤسسات.
وهذه النقطة بالذات تكشف خصوصية النموذج المغربي في تدبير العلاقة بين المرجعية الدينية والدولة. فالمرجعية الدينية لا تُستدعى لتبرير كل سياسة عمومية، ولا تُستخدم في التنافس السياسي، كما أن الدولة لا تتعامل معها باعتبارها مجالا منفصلا عن المجال العام. وإنما تنتظم المرجعية الدينية داخل بنية الدولة من خلال مؤسسة إمارة المؤمنين، بينما تقوم المؤسسات الدستورية بأدوارها واختصاصاتها، في إطار من التكامل والانسجام.

وتتأكد هذه المنهجية في خاتمة الخطاب، حين يتوجه جلالة الملك بالتقدير والاعتزاز إلى القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والإدارة الترابية والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية، ويستحضر بخشوع أرواح شهداء المغرب، وفي مقدمتهم الملكان الراحلان محمد الخامس والحسن الثاني، قبل أن يختم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

ويكتسب اختيار هذه الآية دلالة خاصة في هذا السياق؛ فالخطاب كان بصدد الحديث عن مؤسسات تؤدي واجبها في حماية الوطن وأمنه واستقراره، فجاء مفهوم «الإحسان» ليمنح هذا الأداء بعده الأخلاقي. فالإحسان في هذا السياق يتصل بإتقان الواجب، والإخلاص في أدائه، واستحضار قيم المسؤولية والتضحية. وهكذا تصبح خدمة الوطن والمواطن مجالا من مجالات العمل الذي يستحق الأجر، بما يربط الواجب الوطني بالقيمة الدينية دون أن يخلط بين المجالين.

وإذا كانت آية الشكر قد حضرت في سياق استعراض المنجزات، فإن آية الإحسان حضرت في سياق الحديث عن من يؤدون واجب حماية الوطن. وبين الشكر والإحسان ينتظم جزء مهم من البناء القيمي للخطاب: الاعتراف بالنعم من جهة، وإتقان الواجب من جهة أخرى. وبينهما تبرز الأمانة باعتبارها الإطار الذي يربط المسؤولية بالعمل، والعمل بخدمة الصالح العام.

وهنا تتضح أهمية قراءة خطاب العرش في سياقه الكامل. فالقرآن الكريم لا يحضر في الخطاب بوصفه نصا منفصلا عن المؤسسة التي يصدر عنها، كما أن المرجعية الدينية لا يمكن فصلها عن مؤسسة إمارة المؤمنين، ولا يمكن فهم هذه المؤسسة خارج سياق البيعة التي تتجدد دلالاتها مع عيد العرش. نحن، إذن، أمام نسق متكامل تتفاعل داخله البيعة وإمارة المؤمنين والمرجعية القرآنية وفلسفة الحكم.

ومن هذه الزاوية، يصبح خطاب العرش مناسبة لتجديد التأكيد على خصوصية النموذج المغربي في تنظيم العلاقة بين الدين والدولة. إنها علاقة تستند إلى مرجعية دينية مؤطرة مؤسسيا، وتعمل داخل بناء دستوري حديث، بما يسمح بتكامل المرجعية والقانون، والقيم والمؤسسات، والهوية ومتطلبات الدولة الحديثة.

ولعل القيمة الأساسية التي يقدمها الخطاب في هذا الباب تتمثل في أنه لا يفصل بين قوة الدولة وقوتها الأخلاقية. فالاستقرار الذي يوصف بأنه «رأسمال استراتيجي» يحتاج إلى مؤسسات فعالة، لكنه يحتاج أيضا إلى الثقة؛ والتنمية تحتاج إلى الاستثمارات والمشاريع، لكنها تحتاج كذلك إلى بيئة مستقرة؛ وخدمة المواطن تحتاج إلى الإدارة، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى استحضار معنى الأمانة والمسؤولية. ومن هنا تتقاطع المرجعية الدينية مع متطلبات الدولة الحديثة في مستوى القيم التي تجعل المؤسسات أكثر قدرة على أداء وظائفها وأكثر اتصالا بالمصلحة العامة.

ومن الأمانة يتحدد معنى الحكم، وبالشكر يكتسب المنجز معناه، وبالإحسان تتحدد قيمة خدمة الوطن، ومن الاستقرار تتولد شروط التنمية، لتنتظم هذه المفاهيم في رؤية تجعل المرجعية الدينية رافعة للتماسك والثقة والاستقرار.

وهذا هو أحد أوجه خصوصية النموذج المغربي: أن المرجعية الدينية تمتد إلى بناء المعنى الذي يحكم علاقة الدولة بالمجتمع، وأن إمارة المؤمنين تظهر باعتبارها إطارا تنتظم داخله المرجعية الدينية ضمن البناء الدستوري للدولة. ولذلك فإن قراءة خطاب العرش لا تقود فقط إلى فهم ما يقوله جلالة الملك عن الاقتصاد أو التنمية أو الاستقرار، وإنما تتيح الوقوف على فلسفة أعمق في الحكم، تجعل من القيم الدينية سندا للثقة، ومن الثقة أساسا للاستقرار، ومن الاستقرار شرطا لمواصلة بناء المغرب الصاعد.

 

فرنسية الجديدة البيضاء جريمة سطات شيشاوة مدرب سلا تطوان متفحمة أيت ملول فاس صفرو طنجة

24 يوليو 2026 - 19:39

مقتل حلاق مغربي داخل محل عمله في طرابلس.. والسلطات الليبية تفتح تحقيقا

البيضاء سلا الرباط فاس التبول الجديدة الخير مديونة

17 يوليو 2026 - 00:10

توقيف عشريني بالداخلة للاشتباه في قتل ابن شقيقه القاصر والتمثيل بجثته

09 يوليو 2026 - 21:38

مكناس.. تأجيل جديد في ملف الشبكة المتابعة في قضايا الإبتزاز والفساد وسط ترقب لظهور معطيات وضحايا جدد

06 يوليو 2026 - 21:48

26 قتيلا ومئة مصاب في أعمال شغب دامية بسجن في سريلانكا

Add a Comment