شريط الاخبار
Election 2026

حرائق الجزائر تكشف أولوية نظام يطارد خصومه بينما تتسع أزمات الداخل

حرائق الجزائر الحزب
Election 2026

بينما تكافح فرق الحماية المدنية الجزائرية لإخماد حرائق واسعة اجتاحت مناطق غابية وزراعية في عدد من الولايات، تطرح هذه الكارثة مجددا سؤالا حول أولويات الدولة الجزائرية، ومدى قدرة مؤسساتها على الاستجابة للكوارث وحماية المواطنين قبل وقوعها.

Election 2026

وتشهد ولايتا جيجل وبجاية، إلى جانب مناطق أخرى في شرق البلاد، موجة حرائق واسعة امتدت في بعض المناطق إلى محيط التجمعات السكنية، وسط درجات حرارة مرتفعة ورياح قوية ساهمت في تسريع انتشار النيران.

وسجلت السلطات الجزائرية عشرات الحرائق خلال يوم واحد، فيما اضطرت عائلات إلى إخلاء منازلها احترازيا في بعض المناطق المهددة. كما طالت النيران الغابات والأراضي الشجرية والمحاصيل والمساحات النباتية، مخلفة خسائر بشرية ومادية لا تزال حصيلتها النهائية قيد الحصر.

وتكشف المشاهد القادمة من جيجل وسكيكدة وعنابة ومناطق أخرى حجم الكارثة، حيث تحولت مساحات غابية إلى رماد، وامتدت ألسنة اللهب إلى مناطق مأهولة، بينما وجدت عائلات نفسها مضطرة إلى مغادرة منازلها بحثا عن مكان أكثر أمنا.

ولا تبدو موجة الحرائق الحالية حادثا معزولا، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى تسجيل أكثر من 1550 حريقا منذ 8 يوليوز، شملت الغابات والأحراش والمحاصيل والبساتين وأشجار النخيل.

وفي 22 يوليوز وحده، سجلت مصالح الحماية المدنية 195 حريقا خلال 24 ساعة، ظل 53 منها قيد الإخماد وقت إعداد الحصيلة.

وفي عنابة، اقتربت النيران من مناطق سكنية ومرافق عامة، فيما تم إجلاء أكثر من 100 شخص واتخاذ إجراءات احترازية لحماية السكان والمرضى في بعض المؤسسات الصحية.

هذه الأرقام لا تعكس فقط شدة الظروف المناخية، بل تضع أيضا منظومة الوقاية والاستعداد والاستجابة أمام اختبار حقيقي، خصوصا في بلد اعتاد مواجهة حرائق غابات متكررة خلال فصل الصيف.

في خضم هذه الكوارث، يبرز سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: أين تقع حماية المواطنين والبنية التحتية والخدمات العمومية ضمن سلم أولويات السلطة الجزائرية؟

فبدلا من تكريس كل الموارد والامكانات لتعزيز الوقاية من الحرائق، وتأمين المؤسسات الاجتماعية، وصيانة الطرق، وتشديد مراقبة النقل العمومي، يواصل النظام الجزائري، وفق منتقديه، تخصيص مساحة واسعة من خطابه السياسي والاعلامي للصراع مع المغرب.

ولا يتعلق الأمر هنا بمقارنة مباشرة بين حجم النفقات أو الموارد، بقدر ما يتعلق بصورة دولة تواجه أزمات داخلية متكررة، بينما يظل خصمها الاقليمي حاضرا بقوة في خطابها السياسي والاعلامي.

فكلما تصاعد الخطاب العدائي تجاه المغرب، جاءت أزمات داخلية لتعيد طرح سؤال أكثر إلحاحا: هل تستثمر الامكانات المتاحة بالقدر الكافي في حماية المواطن الجزائري وتأمين حياته اليومية؟

وبطبيعة الحال، لا يمكن تحميل المواطنين الجزائريين مسؤولية خيارات السلطة أو تحويل الكوارث الطبيعية والحوادث إلى نوع من العقاب على سياسات الدولة. فالضحايا في النهاية مواطنون لا علاقة لهم بقرارات صانعي القرار.

لكن المفارقة السياسية تبقى قائمة: دولة تسعى إلى لعب أدوار اقليمية واسعة، وتخصص جزءا كبيرا من خطابها السياسي لمواجهة جيرانها، مطالبة في الوقت نفسه بإثبات قدرتها على إدارة الازمات الاساسية داخل حدودها.

تكتسب هذه المفارقة بعدا أكبر عندما توضع حرائق الغابات ضمن سلسلة أوسع من الحوادث التي هزت الجزائر خلال الصيف، من حرائق وأزمات مرتبطة بالبنية التحتية والنقل، إلى حوادث سير دامية خلفت مئات الضحايا.

وهنا لا تكمن القضية في تحميل حادث بعينه للنظام السياسي، ولا في استغلال موت الابرياء لتصفية الحسابات السياسية، وإنما في مساءلة السياسات العمومية: هل توجد منظومة وقاية فعالة؟ هل تتم صيانة المنشآت والطرق بالقدر المطلوب؟ وهل يجري التعامل مع المخاطر قبل تحولها إلى كوارث؟

إن قوة أي دولة لا تقاس فقط بقدرتها على إطلاق الخطابات أو الدخول في صراعات اقليمية، وإنما أيضا بقدرتها على حماية مواطنيها عندما تندلع الحرائق، وعندما تضرب الكوارث، وعندما تصبح الحياة اليومية مهددة.

وفي النهاية، قد يكون الدرس الأكثر قسوة من هذه الحرائق أن الدول التي تنفق كثيرا من طاقتها على معارك الخارج مطالبة، قبل كل شيء، بأن تنتصر في معركة الداخل: حماية الانسان، وصيانة البنية التحتية، وتعزيز الوقاية، وضمان أمن المواطنين.

Election 2026