أقل من ثلاثة أشهر تفصل مجلس الأمن الدولي عن العودة مجددا إلى ملف الصحراء، في ظل مرحلة سياسية ودبلوماسية مختلفة عما كانت عليه خلال العقود الماضية. وبينما أطلق القرار 2797 مسارا جديدا يقوم على الواقعية والبحث عن حل سياسي، تبدو جبهة البوليساريو أمام اختبار مزدوج: كيف ستتعامل مع التحولات الدولية، وكيف ستعيد ترتيب بيتها الداخلي؟

لم يعد السؤال المطروح اليوم يقتصر على مستقبل النزاع أو مآلات المفاوضات، بل بات يمتد إلى مستقبل الجبهة نفسها وقدرتها على الاستمرار باعتبارها الممثل السياسي الوحيد للصحراويين.
فبعد أكثر من خمسة عقود على تأسيسها، تواجه البوليساريو واقعاً مختلفاً. الجيل الذي حمل المشروع السياسي للحركة في مراحله الأولى رحل أو تراجع حضوره، بينما بقيت القيادة الحالية، وعلى رأسها إبراهيم غالي، مرتبطة إلى حد كبير بالمنظومة السياسية ذاتها التي تشكلت خلال الحرب الباردة.
وهنا تبرز إحدى أهم نقاط الضعف: أزمة التجديد السياسي.
جيل جديد… وأفكار قديمة
في مراحل سابقة، لعب قادة مثل أحمد بخاري ومحمد خداد ومحفوظ علي بيبا أدواراً في صياغة الخطاب السياسي للجبهة والتواصل مع العواصم الغربية والمؤسسات الدولية. وكانوا قادرين على قراءة التحولات الدولية وتكييف الخطاب السياسي معها.
أما اليوم، فتبدو الجبهة أكثر انشغالاً بالحفاظ على مواقفها التقليدية من تطوير رؤية جديدة تتلاءم مع التحولات التي شهدها ملف الصحراء خلال السنوات الأخيرة.
ولا تتعلق المشكلة فقط بأعمار المسؤولين أو أسماء القيادة، وإنما بغياب عملية واضحة لتجديد النخب والأفكار وآليات اتخاذ القرار. وهذا ما يجعل المؤتمر السابع عشر المرتقب للجبهة أكثر أهمية من مجرد محطة تنظيمية لتجديد المسؤوليات.
السؤال الحقيقي سيكون: هل تستطيع البوليساريو الانتقال من إدارة إرث سياسي عمره نصف قرن إلى إنتاج مشروع سياسي جديد؟
القرار 2797 يغير قواعد اللعبة
فالقرار 2797 لم ينهِ النزاع، ولم يحسم الوضع النهائي للصحراء الغربية، لكنه وضع المفاوضات في سياق أكثر تركيزاً على الواقعية والتوافق، وجعل مقترح الحكم الذاتي المغربي في صلب الدينامية السياسية الجديدة. وقد اعتبرت تحليلات حديثة في Atalayar أن القرار يمثل نقطة تحول مهمة في مسار القضية.
ومع تقدم الاتصالات التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، واتساع انخراط القوى الدولية، لم تعد البوليساريو تواجه فقط المغرب، بل تواجه أيضاً سؤالاً أكثر تعقيداً يتعلق بمدى قدرتها على التكيف مع صيغة تفاوضية جديدة.
ومن هنا، فإن العودة المرتقبة للملف إلى مجلس الأمن ستكون اختباراً لقدرة الجبهة على المبادرة، لا مجرد مناسبة لتكرار المواقف السابقة.
إسبانيا… خسارة مساحة سياسية؟
يظهر هذا التحول أيضاً في الساحة الإسبانية، التي شكلت لعقود إحدى أهم ساحات الحضور السياسي والمدني للبوليساريو.
فقد استفادت الجبهة تاريخياً من شبكة واسعة من الأحزاب والجمعيات والنقابات والمتضامنين مع القضية الصحراوية. غير أن المشهد السياسي الإسباني نفسه تغير، كما تغيرت الحسابات المرتبطة بالعلاقات بين مدريد والرباط.
وفي هذا السياق، يبدو أن البوليساريو تواجه صعوبة متزايدة في الحفاظ على موقعها السابق داخل المشهد السياسي الإسباني، خصوصاً بعدما أصبحت قضية الصحراء مرتبطة بشكل مباشر بالعلاقات المغربية الإسبانية وبالحسابات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن والهجرة والطاقة.
وتكشف بعض التطورات الأخيرة عن ارتباك في طريقة تعامل الجبهة مع الخارطة السياسية الإسبانية، خصوصاً عندما تتحول القضية الصحراوية إلى ورقة في الصراع الداخلي بين الأحزاب.
فالرهان على دعم ظرفي من قوى سياسية بهدف الضغط على الحكومة الإسبانية قد يمنح مكاسب آنية، لكنه لا يعوض شبكة التضامن التاريخية التي بنتها القضية الصحراوية على مدى عقود.
نهاية احتكار التمثيل؟
ربما يكون التطور الأكثر حساسية بالنسبة للبوليساريو هو بروز أصوات صحراوية أخرى تنازعها احتكار تمثيل الصحراويين.
ويبرز في هذا السياق حركة صحراويون من أجل السلام، التي تقدم نفسها باعتبارها خياراً سياسياً يدعو إلى الحوار والحل التفاوضي والتعددية. وقد باتت الحركة تحظى بحضور متزايد في بعض الدوائر الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، فيما نشرت Atalayar خلال الأشهر الماضية مقالات تناولت صعودها باعتباره تحدياً لاحتكار البوليساريو للتمثيل السياسي.
وهنا تكمن المسألة الأكثر حساسية.
فإذا كانت البوليساريو ترى نفسها الممثل الحصري للصحراويين، فإن ظهور تيارات صحراوية منافسة يفتح نقاشاً أوسع حول مفهوم التمثيلية نفسها.
ولا يتعلق الأمر فقط بمنافسة تنظيمية بين حركتين، بل بسؤال سياسي جوهري: هل يمكن لحركة تأسست قبل أكثر من خمسين عاماً أن تستمر في احتكار التعبير عن مجتمع تغيرت تركيبته وأجياله وتطلعاته؟
تندوف… العامل الذي لا يمكن تجاهله
يبقى الوضع الإنساني والسياسي في مخيمات تندوف أحد أكثر عناصر المعادلة حساسية.
ثلاثة أجيال نشأت في المخيمات خلال عقود من الانتظار، بينما لم يتحول الصراع إلى تسوية نهائية. ومع مرور الوقت، يصبح سؤال المستقبل أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الأجيال الشابة التي لم تعش مرحلة تأسيس الجبهة ولا ظروف الحرب الأولى.
وهنا قد تتحول مسألة التجديد السياسي من خيار بالنسبة إلى القيادة إلى ضرورة مرتبطة ببقاء الحركة نفسها.
فالاستمرار في الخطاب ذاته لا يعني بالضرورة الحفاظ على النفوذ ذاته.
واشنطن والبعد الأمني الجديد
إلى جانب التحولات داخل الأمم المتحدة وإسبانيا، يظهر عامل آخر يتمثل في تنامي المقاربة الأمنية الأمريكية للمنطقة.
وقد تناولت تقارير وتحليلات حديثة احتمال إدخال البوليساريو في نقاشات مرتبطة بشبكات إقليمية ذات صلة بإيران أو بجماعات مسلحة، وهو مسار، حتى في حال بقائه ضمن مستوى المبادرات أو التحذيرات السياسية، يمكن أن يغير طبيعة النظرة الدولية إلى الجبهة إذا تطور مستقبلاً. وفي المقابل، استقبلت أوساط أمريكية ممثلين عن حركة صحراويين من أجل السلام، في مؤشر على تنوع قنوات التواصل مع الفاعلين الصحراويين.
وهذا يعني أن المعركة لم تعد دبلوماسية فقط، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بصورة الحركة لدى العواصم الغربية وبمدى قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها طرفاً سياسياً قابلاً للانخراط في تسوية.
المؤتمر السابع عشر… لحظة مفصلية
لهذا السبب، قد يكون المؤتمر السابع عشر للبوليساريو أكثر أهمية من مجرد انتخاب أمين عام أو تجديد هياكل القيادة.
المسألة تتعلق باتجاه الحركة نفسها.
هل ستواصل قيادة إبراهيم غالي النهج التقليدي القائم على التشبث بخيار الاستقلال باعتباره النتيجة الوحيدة المقبولة؟
أم ستظهر داخلها أصوات تطالب بإعادة تقييم الاستراتيجية، وفتح المجال أمام تعددية سياسية صحراوية، والتعامل مع المتغيرات الدولية باعتبارها واقعاً جديداً لا يمكن تجاهله؟
حتى الآن، لا تبدو مؤشرات التجديد السياسي داخل الجبهة واضحة بما يكفي.
لكن استمرار الوضع القائم قد يصبح أكثر كلفة مع مرور الوقت، خصوصاً إذا واصلت القوى الدولية الدفع باتجاه حل سياسي واقعي وتوافقي.
من يملك مبادرة المرحلة المقبلة؟
في نهاية المطاف، قد لا يكون التحدي الأكبر أمام البوليساريو هو مواجهة المغرب في الساحة الدبلوماسية، بل إعادة تعريف موقعها داخل القضية الصحراوية نفسها.
فالحركة التي كانت لعقود الصوت الصحراوي الأكثر حضوراً في المحافل الدولية تجد نفسها اليوم أمام تعدد في الأصوات، وتغير في مواقف القوى الدولية، وتحول في الموقف الإسباني، ومسار أممي أكثر تركيزاً على الواقعية، إلى جانب أسئلة متزايدة حول القيادة والتمثيلية والتجديد.
ولهذا، فإن الأشهر المقبلة قد تكون حاسمة.
فإما أن تتمكن البوليساريو من إنتاج رؤية سياسية جديدة تتجاوز منطق إدارة الصراع، وتفتح الباب أمام الحوار والتعددية، أو أن تجد نفسها أمام خطر التحول التدريجي من فاعل سياسي مركزي إلى طرف من أطراف المشهد الصحراوي المتعدد.
المصدر: منصة atalayar



