في مشهد كان يُفترض أن يكون مناسبة للتواصل والانفتاح، تحوّلت ندوة صحفية نظمها حزب العدالة والتنمية إلى لحظة كاشفة، ليس عن حصيلة سياسية كما كان مبرمجاً، بل عن طريقة تفكير تُقلق كل من يؤمن بحرية الصحافة واستقلاليتها.
ما حدث لم يكن مجرد سوء تفاهم عابر، بل سلوك صريح يعكس ضيقاً بالرأي الآخر.
مراسل صحفي، وبحسن نية، حاول أن يخرج من القالب الضيق للندوة، أن يفتح المجال لكل المنابر، أن يجعل الميكروفون صوتاً للجميع لا لجهة واحدة… فكان الرد صادماً: “اللي ما عجبوش الحال يهز الميكروفون ويمشي بحالو”. هنا، لا نتحدث فقط عن عبارة قيلت في لحظة انفعال، بل عن عقلية تختزل الصحافة في دور تابع، وتتعامل مع الميكروفون كأنه ملك خاص، يُمنح ويُسحب وفق منطق الولاء لا وفق منطق المهنية.
وكأن الصحفي لم يعد ناقلاً للحقيقة، بل مجرد أداة تُصفّق أو تُقصى. هذا أمر مرفوض… ومرفوض جداً.
الصحافة ليست زينة تُستدعى عند الحاجة، ولا ديكوراً يُكمّل الصورة.
الصحافة سلطة قائمة بذاتها، مستقلة، حرة، لا تخضع لمزاج هذا أو ذاك.
هي صوت المجتمع، عين الحقيقة، وضمير من لا صوت لهم.
فكيف يمكن لمن لا يتقبل سؤالاً أو رأياً مخالفاً أن يقنعنا بأنه يدافع عن المواطن؟ كيف لمن يضيق بالنقد أن يتحدث عن الإنجاز؟ وكيف لمن يرى في الصحفي خصماً، أن يدّعي احترام المؤسسات؟
ما حدث يكشف شيئاً أعمق من مجرد انفعال: يكشف أن البعض لا يزال يرى في الإعلام تهديداً بدل أن يراه شريكاً في بناء الوعي. وهذه مشكلة حقيقية.
رسالتي واضحة ولا تحتمل التأويل: الصحافة ليست ملكاً لأحد… ولن تكون.
الميكروفون ليس امتيازاً… بل مسؤولية، والحقيقة لا تُمنح… بل تُنتزع. قد يزعج هذا الكلام البعض، وقد لا يعجبهم، لكن هذه هي القاعدة: من لا يؤمن بحرية الصحافة، لا يمكنه أن يقنعنا بأنه يؤمن بحرية المواطن. وفي النهاية، كل واحد معروف بما يفعل… والتاريخ لا ينسى.



