شريط الاخبار
           

الفراقشية وغلاء الأسعار… أية مسؤولية لمجلس المنافسة؟

ذ. الهاشمي ايت درى_ باحث في الدراسات السياسية والدستورية والاجتماعية

 

في السنوات الأخيرة، تحولت كلمة “الفراقشية” في المغرب من توصيف شعبي محدود إلى مفهوم سياسي واقتصادي متداول في النقاش العمومي، يعبر عن حالة من المضاربة والوساطة والاغتناء السريع، وعن شبكات مصالح تستفيد من غياب الشفافية وضعف المراقبة وتداخل السلطة بالمال، ومع موجات الغلاء المتتالية التي مست المواد الأساسية والمحروقات والخدمات، أصبح المواطن المغربي يطرح سؤالا مركزيا: أين هو مجلس المنافسة؟ وما الذي يقوم به أمام كل ما يجري داخل الأسواق المغربية؟

هذا السؤال لا يطرح فقط من باب الاستفهام المؤسساتي، بل من زاوية الشعور المتزايد لدى فئات واسعة من المغاربة بأن قواعد المنافسة الشريفة تتعرض للضرب، وأن منطق “الفراقشية” أصبح يتغلغل في قطاعات حيوية، في ظل تضارب مصالح واضح أحيانا، وصمت أو تحرك محتشم من المؤسسات المفترض أن تحمي السوق والاقتصاد والمستهلك.

لقد جاء دستور 2011 في سياق سياسي واجتماعي خاص، حاملا وعودا بإرساء الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة اقتصاد الريع والاحتكار، وفي هذا السياق، تم الارتقاء بمجلس المنافسة إلى مؤسسة دستورية مستقلة بموجب الفصل 166 من الدستور، ومنح اختصاصات واسعة لحماية المنافسة الحرة والمشروعة، وضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية.

ولم يعد المجلس، نظريا، مجرد هيئة استشارية صورية، بل أصبح مطالبا بالتدخل والتحقيق والزجر وإصدار القرارات والتوصيات، ومراقبة التفاهمات السرية والاحتكارات واستغلال الوضع المهيمن، والتصدي لكل ما من شأنه الإضرار بالسوق أو بالمستهلك أو بحرية المبادرة الاقتصادية.

لكن المشكلة الحقيقية ليست في النصوص، بل في الممارسة، ففي الوقت الذي عرفت فيه البلاد انفجار عدد من الملفات المرتبطة بتضارب المصالح وهيمنة بعض الفاعلين الاقتصاديين الكبار على قطاعات استراتيجية، بدا مجلس المنافسة في كثير من الأحيان غائبا أو مترددا أو محدود الفعالية، بل إن عددا من المتتبعين أصبحوا يعتبرون أن المجلس لم يمارس إلى اليوم كل الأدوار التي خولها له الدستور والقانون، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات ترتبط بمراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي.

ومن أبرز الأمثلة التي أعادت هذا النقاش بقوة، ملف المحروقات، فمنذ تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، ارتفعت أصوات سياسية ونقابية وحقوقية تتحدث عن أرباح ضخمة حققتها شركات التوزيع، وعن وجود شبهات تفاهم ضمني بين الفاعلين الكبار حول الأسعار، وبعد سنوات من الجدل، أصدر مجلس المنافسة سنة 2020 بلاغا قويا تحدث فيه عن “وجود ممارسات منافية لقواعد المنافسة” في سوق المحروقات، واعتبر كثيرون آنذاك أن المجلس بدأ أخيرا يمارس صلاحياته الحقيقية.

غير أن ما وقع بعد ذلك أثار صدمة واسعة، فقد اندلع خلاف حاد داخل المجلس نفسه حول طريقة تدبير الملف، وانتهى الأمر بإعفاء رئيس المجلس السابق، الراحل إدريس الكراوي، في واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ المؤسسة، وقد رأت فئات واسعة أن الرسالة التي خرجت للرأي العام آنذاك كانت سلبية وخطيرة، كلما اقترب المجلس من ملفات المصالح الكبرى، دخل في منطقة التوتر والارتباك.

ومنذ تعيين الرئيس الحالي أحمد رحو، بدا المجلس أكثر هدوءا وأقل صدامية، لكن هذا “الهدوء” فسر عند كثيرين باعتباره تراجعا في الجرأة أكثر مما هو نضج مؤسساتي، فخلال ولاية حكومة عزيز أخنوش، انفجرت عدة نقاشات مرتبطة بتضارب المصالح، سواء ما تعلق بقطاع المحروقات أو صفقات تحلية المياه أو دعم استيراد الأغنام أو ملفات الأدوية وبعض الصفقات العمومية، دون أن يظهر للمجلس حضور قوي ومؤثر يطمئن الرأي العام بأن قواعد المنافسة والشفافية تحظى بالحماية الكافية.

ولعل أخطر ما في الأمر أن غياب الدور القوي لمجلس المنافسة لا ينعكس فقط على الاقتصاد، بل على الثقة العامة في المؤسسات، فعندما يشعر المواطن أن الأسعار ترتفع بشكل متزامن، وأن الأرباح تتضخم لدى فئات محدودة، وأن المنافسة الحقيقية غائبة، بينما تبقى المؤسسات الرقابية صامتة أو بطيئة أو مكتفية بتقارير تقنية باردة، فإن ذلك يفتح الباب أمام الإحساس بالحيف وفقدان الثقة في عدالة السوق وفي تكافؤ الفرص.

إن وظيفة مجلس المنافسة ليست تقنية فقط، بل لها بعد أخلاقي ووطني عميق، فالمجلس لا يمثل مجرد جهاز إداري، بل مؤسسة دستورية يفترض أن تكون في صف حماية الاقتصاد الوطني والمستهلك المغربي، وأن تجسد الإرادة الملكية المعلنة مرارا في محاربة الريع والاحتكار والفساد الاقتصادي، وتخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي ظل الوضع الاجتماعي الصعب، وارتفاع معدلات الغلاء والاحتقان، يصبح الصمت عن مظاهر التواطؤ الاقتصادي أو التساهل مع الفراقشية نوعا من التخلي عن الواجب المؤسساتي والأخلاقي. فالتاريخ لا يتذكر فقط النصوص والصلاحيات، بل يتذكر أيضا من مارسها بشجاعة ومن فرط فيها بالصمت أو التردد أو الحسابات الضيقة.

إن المغرب اليوم بحاجة إلى مجلس منافسة قوي، مستقل، جريء، قادر على فتح الملفات الحساسة دون انتقائية، وعلى حماية السوق من هيمنة شبكات المصالح، وعلى إعادة الاعتبار لفكرة أن الاقتصاد يجب أن يخدم المجتمع لا أن يتحول إلى فضاء للاحتكار والاغتناء غير المشروع.

فحينما يصبح “الفراقشية” أقوى من القانون، يصبح الغلاء قدرا يوميا على المواطنين، وتصبح المؤسسات مهددة بفقدان معناها الحقيقي.

شارك المقال شارك غرد إرسال