بدأت تظهر على السطح بوادر أزمة داخلية متفاقمة داخل جبهة البوليساريو، بحسب ما نقلته وسائل إعلام محسوبة على الخط السياسي للجبهة نفسها، حيث طغى خطاب الانتقاد الذاتي غير المسبوق على مضمون مقالات نُشرت يوم الاثنين 14 يوليوز، تزامنًا مع الذكرى الرابعة لما تُعرف بـ”العودة إلى الكفاح المسلح” ضد المغرب.
وتركّزت الانتقادات على ما اعتُبر “فشلًا في تقييم نتائج الحرب” التي اندلعت في 13 نونبر 2020 عقب تدخل القوات المسلحة الملكية المغربية في معبر الكركرات الحدودي، والتي وعدت القيادة حينها بتحويلها إلى حرب استنزاف ضد مواقع الجيش المغربي على طول الجدار الأمني.
رغم الخطاب المتكرر عن “الانتصارات”، كما جاء على لسان زعيم الجبهة إبراهيم غالي في أبريل الماضي، فإن تلك المزاعم لم تُدعّم بأدلة ميدانية أو تطورات استراتيجية ملموسة، وهو ما دفع العديد من المتابعين داخل مخيمات تندوف إلى التشكيك في فعالية وواقعية هذه الشعارات، كما أفادت مجلة “فوتورو صحرا” في عددها الأخير.
انفلات أمني وهيمنة العصابات
الانتقادات لم تتوقف عند الجانب العسكري، بل امتدت إلى الوضع الداخلي المتأزم داخل مخيمات تندوف، حيث اتهمت وسيلة إعلامية تابعة للجبهة بيان الأمانة العامة بتجاهل حالة “فوضى أمنية” مستمرة منذ سنوات. وقد شهد شهر أبريل الماضي اشتباكًا مسلحًا جديدًا بين عصابات مسلحة، في سلسلة أحداث باتت تتكرر دون تدخل واضح من القيادة.
تقرير الإعلام المحلي أشار إلى “شبكات تهريب، واتجار غير مشروع، وجريمة منظمة، وانتشار مقلق للسلاح”، ما يُظهر، وفقًا له، غياب استراتيجية أمنية فعالة، ويكشف حجم التفكك داخل البنية التنظيمية للجبهة.
خطاب يبرّر ولا يُقنع
الانتقادات طالت أيضًا أسلوب الخطاب الرسمي للجبهة، الذي يعتمد، بحسب المقالات، على “نظرية المؤامرة” وتحميل الأطراف الخارجية مسؤولية الإخفاقات، بدل الاعتراف بالمشاكل البنيوية التي تعصف بالتنظيم. هذا الأسلوب، وفق محللين، قد يؤدي إلى “انفصال القواعد عن القيادة” ويفتح المجال لمزيد من التوتر الداخلي.
كما لم تُخفِ الأصوات المنتقدة امتعاضها من استمرار تغييب قضايا جوهرية، كالديمقراطية الداخلية ومطالب الشباب، رغم وعود غالي عند إعادة انتخابه في المؤتمر السادس عشر مطلع 2023، وهي الوعود التي لم تُترجم بدورها إلى إصلاحات ملموسة.
بيان رسمي خارج السياق
بيان المكتب السياسي الأخير للجبهة، الذي دعا الأمم المتحدة إلى “استكمال عملية تصفية الاستعمار”، لم يتطرق من قريب أو بعيد إلى هذه القضايا الداخلية، مركّزًا على الهجوم على المغرب وعلى ما سماه “مقاومة الاحتلال بكافة الوسائل”. غياب الحديث عن المشاكل التنظيمية والمعيشية أثار تساؤلات في الأوساط الإعلامية المحسوبة على الجبهة حول الانفصال بين القيادة والواقع داخل المخيمات.
وتشير هذه التطورات إلى تحوّل لافت في طريقة تعاطي بعض الأصوات الصحراوية مع القيادة الحالية للجبهة. فبدل الاصطفاف الأوتوماتيكي خلف الخط الرسمي، بدأت هذه الأصوات تمارس نقدًا داخليًا قد يكون مؤشرًا على أزمة شرعية حقيقية، تُنذر بتوسع فجوة الثقة بين القيادة وقواعدها في ظل انسداد سياسي، وتصاعد القلق الاجتماعي، وفشل ما سُمي بـ”الخيار العسكري”.




