كشفت تحليلٌ حديث الصدور عن خسائر بعشرات مليارات الدراهم يتكبدها المغرب جراء غياب التكرير واستمرار إغلاق مصفاة “سامير”، مفيدا بتراكم 45 عرضا غير مقبول لشراء هذه الأخيرة، لعدم استيفاء معايير السعر ودفتر التحملات الصناعي وضمانات الالتزام لما بعد التفويت.
وأوضح كتاب أبيض، أصدرته المؤسسة المغربية المتخصصة في الاستشارات الاقتصادية “فيفاي كابيتال” تحت عنوان “مصفاة سامير في اختبار هرمز”، أن تكلفة غياب التكرير بالمغرب منذ عام 2015 تتكون من أربع فئات تحليلية متميزة، محتسبا ثلاثة منها على مصادر أولية منهجية، فيما اعتمد في الرابعة على تقدير تحليلي موثق.
“الديون” والفاتورة والمقاصة
في هذا الصدد، أبرز المصدر نفسه أن الفئة الأولى من التكلفة تتعلق بديون شركة سامير عند الإغلاق؛ إذ بلغت ديون الشركة عند صدور حكم التصفية في 21 مارس 2016 أزيد من 40 مليار درهم، موزعة بين المديرية العامة للضرائب (ديون ضريبية) والخزينة العامة للمملكة والأبناك المغربية والموردين والأجراء السابقين.
أما الفئة الثانية، بحسب المصدر ذاته، فهي الفاتورة الطاقية السنوية؛ إذ تفيد إحصائيات مكتب الصرف باستقرار الفاتورة الطاقية المغربية عند 114.04 مليار درهم سنة 2024. وأشارت الوثيقة إلى أن هذه الفاتورة، التي تشمل مجموع الواردات الطاقية، “لا تقيس بدقة تكلفة غياب التكرير في حد ذاته، ولكنها تحدد حجم التبعية الطاقية الخارجية للمملكة”.
وبخصوص “غلاف المقاصة وحصة غاز البوتان” (الفئة الثالثة)، فقد لفتت الوثيقة إلى استقرار الغلاف الإجمالي للمقاصة عند 16.53 مليار درهم سنة 2025، بينما تقدّر حصة غاز البوتان منها بنحو 12 إلى 13 مليار درهم في السنة المالية الكاملة (بناء على مجموع الفترة الممتدة من يناير إلى غشت 2025 البالغ حوالي 8.5 مليارات درهم وفقا للبيانات الميزانياتية).
وأشار المصدر إلى تخفيض الغلاف الإجمالي للمقاصة برسم مشروع قانون المالية لسنة 2026 إلى 13.77 مليار درهم (بتراجع قدره 16.7% مقارنة بسنة 2025)، “مما يترجم مسار رفع الدعم الذي انطلق في نهاية سنة 2023”.
هوامش الخارج و”الأصول الراكدة”
اعتمدت المؤسسة في تشخيصها لتكلفة غياب تكرير النفط في المغرب على الهوامش المحققة خارج المغرب (2015-2025)، وهي الفئة التي “تحدد تحليليا حجم خسارة القيمة المضافة الناتجة عن غياب التكرير الوطني”.
وجاء قياس هذه الهوامش بناء على فرضيات أساسية عدة، أولها أن “مسار الاستهلاك المغربي للمنتجات المكررة يرتفع من حوالي 10.5 إلى 12 مليون طن سنويا بين عامي 2015 و2025، أي ما يعادل حوالي 0.86 مليار برميل تراكمي”، وثانيها أن “المنحنى السنوي الحقيقي لهامش التكرير في حوض البحر الأبيض المتوسط (تكسير برنت/أورال المتوسط)، بمتوسط مرجح يقارب 6.5 دولارات للبرميل خلال هذه الفترة (متواضع في الفترة 2015-2019، ومنهار في 2020-2021، واستثنائي في 2022، ثم عاد إلى مستوياته الطبيعية بعد ذلك)”.
أما الفرضية الثالثة فتتمثل في بلوغ متوسط سعر صرف الدرهم مقابل الدولار عند 9.7 خلال هذه الفترة (2015-2025)، في حين حددت الفرضية الرابعة معامل تحويل قدره 7.3 برميل في كل طن واحد (من المنتجات النفطية).
وبناء على هذه الفرضيات، وجد التحليل أن “الهامش التراكمي المحقق خارج التراب المغربي خلال الفترة 2015-2025 يقع في نطاق تحليلي يتراوح بين 42 و70 مليار درهم، بقيمة مركزية تبلغ 54 مليار درهم”.
وتوقف الكتاب الأبيض عند الخسائر الاقتصادية لعدم تشغيل الأصول الراكدة لشركة “سامير”، موضحا أنه بالإضافة إلى تكلفة غياب التكرير، “تمثل شركة سامير إرثا من الأصول الراكدة (المهملة) التي قدرت الخبرة القضائية لعام 2017 قيمتها بنحو 21.5 مليار درهم (أي ما يعادل حوالي 2 مليار دولار في ذلك الوقت)”.
45 عرضا “مرفوضا”
انتقدت مؤسسة “فيفاي كابيتال” استمرار التمديدات المتعاقبة لنشاط شركة “سامير” الخاضعة للتصفية القضائية لأكثر من عشر سنوات. وقالت إن “هذا التكرار، الذي يعد سابقة في تاريخ القضاء التجاري المغربي، يؤكد عجز المنظومة القانونية الوطنية عن إغلاق هذا الملف”.
وفسرت هذا العجز بثلاثة عوامل، على رأسها غياب مشترٍ مقبول، موضحة أن “من بين حوالي 45 ترشيحا تراكمت خلال الفترة الممتدة بين 2017 و2026 (بما في ذلك 15 عرضا رسميا بين فبراير ويوليوز 2023، تراوحت قيمتها بين 1.8 و2.8 مليار دولار)، لم يستوفِ أي عرض منها بشكل متزامن معايير السعر، ودفتر التحملات الصناعي، وضمانات الالتزام لما بعد التفويت”.
العامل الثاني، بحسب المصدر نفسه، يتمثل في التداخل مع مسطرة التحكيم الدولي المباشرة على مستوى المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (CIRDI)، التي تخلق “ضبابية قانونية حول سند الملكية النهائي للأصول في حالة التفويت، مما يثبط عزيمة المترشحين الجادين”.
وأوضحت “فيفاي كابيتال” أن العامل الثالث يتمثل في التعقيدات التقنية، مشيرة إلى تصريح النقابة الوطنية للبترول والغاز (SNP) بأن تكلفة إعادة تأهيل وحدات التكرير تقدّر بنحو 300 مليون دولار، وهو ما يتطلب “مشتريا قادرا على تحمل الاستثمار ومخاطر إعادة إطلاق النشاط الصناعي في آن واحد بعد عشر سنوات من التوقف”.




