تشهد جمهورية ألمانيا الاتحادية تحوّلًا استراتيجيًا لافتًا في سياستها الدفاعية، يتمثل في تبنيها لتقنيات عسكرية مبتكرة وغير تقليدية تهدف إلى إعادة تعريف مفاهيم الحروب المستقبلية، في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، وعلى رأسها تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا.
ويتركز هذا التحول على دعم واسع النطاق للشركات الناشئة المتخصصة في تكنولوجيا الدفاع، حيث شرعت برلين في الاستثمار في مشاريع متقدمة تشمل تطوير روبوتات قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، و”صراصير سايبورغ” هجينة قادرة على التسلل إلى مناطق النزاع وجمع بيانات وصور حساسة.
من بين أبرز هذه الشركات، تبرز شركة “هيلسينغ” التي أسسها غوندبيرت شيرف، والتي باتت تُصنف اليوم كأعلى الشركات قيمة في قطاع الدفاع الأوروبي، بقيمة سوقية تُناهز 12 مليار دولار. كما تحظى شركات أخرى مثل “آركس للأنظمة الروبوتية” بدعم مباشر من وزارة الدفاع، في إطار منظومة متكاملة لتسريع الابتكار العسكري.
ويأتي هذا التوجه في سياق مراجعة ألمانيا لسياساتها الدفاعية التقليدية، التي كانت إلى عهد قريب متسمة بالحذر التاريخي في ظل تداعيات الحربين العالميتين. وقد عبّر المستشار فريدريس ميرتس عن تبني حكومته لنهج دفاعي أكثر انفتاحًا، يؤكد أولوية تعزيز القدرات الاستراتيجية والعسكرية للبلاد.
وفي السياق ذاته، شدد وزير الدفاع بوريس بيستوريوس على أن التمويل لم يعد يشكل عائقًا أمام الابتكار، مؤكدا أن الميزانيات المخصصة أصبحت كافية لدفع عجلة البحث والتطوير، حيث خصصت الحكومة مليار دولار لدعم الشركات الناشئة خلال سنة 2024، مع توقعات بمضاعفة هذا الغلاف المالي في عام 2025.
وتستعد ألمانيا لرفع ميزانيتها الدفاعية السنوية إلى ما يقارب 175 مليار دولار بحلول سنة 2029، في خطوة تعكس تحولًا جذريًا في تعاطيها مع مفهوم الأمن القومي والدفاع الاستباقي.
ولا يقتصر هذا التحول على المستوى التقني، بل يشمل أيضًا تغيّرًا تدريجيًا في الثقافة المجتمعية، حيث بدأ الرأي العام الألماني في النظر إلى قطاع الدفاع كمجال محفز للابتكار العلمي والنهضة الاقتصادية، وليس فقط كمجال عسكري صرف.
وتتضمن خطة التحديث الشاملة للجيش الألماني إدماج تقنيات متطورة مثل الطائرات المسيرة، والأسلحة الدقيقة، وأنظمة القيادة الذكية، بما يُمكّن ألمانيا من تأكيد موقعها الريادي ضمن القوى العالمية الساعية إلى امتلاك أدوات الحروب المستقبلية.
