شريط الاخبار

من الإنصاف والمصالحة إلى تجديد منظومة حقوق الإنسان..المغرب يحول دروس الماضي إلى رؤية للمستقبل

الإنصاف

لا يمكن اختزال تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب في أرقام وإحصاءات، رغم أهميتها، لأنها تمثل مسارا وطنيا متكاملا نجح في تحويل مرحلة مؤلمة من تاريخ انتهاكات حقوق الإنسان إلى مشروع للإصلاح المؤسسي وترسيخ قيم العدالة والمصالحة والديمقراطية.

وتعكس الأرقام حجم هذا الورش، إذ استفاد نحو 27 ألفا و254 ضحية وذوو حقوقهم من تعويضات مالية بلغ مجموعها حوالي ملياري درهم، إلى جانب استفادة آلاف آخرين من برامج الرعاية الصحية وإعادة الإدماج الاجتماعي وتسوية أوضاعهم الإدارية والمالية.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في حجم التعويضات، بل في ما أفرزته من اعتراف بمعاناة الضحايا، واستعادة لكرامتهم، وتعزيز للثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، بما جعل العدالة الانتقالية ركيزة لبناء مستقبل أكثر استقرارا.

كما أسهمت التجربة في تكوين رصيد مؤسساتي مهم، يقوم على تراكم الخبرات والمعرفة العملية في مجال إدماج مبادئ حقوق الإنسان ضمن السياسات العمومية، وتحويل الالتزامات الحقوقية إلى إجراءات ملموسة وآليات عمل مؤسساتية.

وفي هذا السياق، لم يعد الرهان اليوم يقتصر على معالجة إرث الماضي، بل انتقل إلى مرحلة جديدة تقوم على استثمار الدروس المستخلصة لبناء منظومة أكثر قدرة على الوقاية والاستباق، وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في تدبير الشأن العام.

ويبرز هذا التوجه من خلال المقاربة الجديدة التي يعتمدها الوفد الوزاري المشترك لحقوق الإنسان، والتي تسعى إلى إرساء نموذج أكثر تكاملا، يربط بين الالتزامات الدولية والسياسات الوطنية، ويعتمد على التقييم المستمر والبيانات الدقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء.

وتقوم هذه الرؤية على قناعة مفادها أن حقوق الإنسان لا تترسخ بمجرد النصوص والإعلانات، وإنما من خلال مؤسسات قادرة على رصد التقدم، وتشخيص الاختلالات، وتنسيق الجهود، وترجمة المبادئ إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.

وفي هذا الإطار، يواجه المغرب تحديا جديدا يتمثل في الانتقال من منطق معالجة الانتهاكات السابقة إلى بناء سياسات عمومية أكثر نجاعة، تستند إلى الأدلة، وتتمتع بقدرة أكبر على التوقع والاستجابة للتحولات والتحديات المستقبلية.

وتقدم التجربة المغربية، في هذا الصدد، نموذجا يمكن أن يلهم العديد من دول المنطقة، من خلال التأكيد على أن مواجهة الماضي لا تعني تكريس الانقسام، بل يمكن أن تشكل مدخلا لبناء توافق وطني قائم على الحقيقة والإنصاف والمساءلة.

ويمكن تلخيص هذا التحول في ثلاثة مسارات رئيسية: الانتقال من الذاكرة إلى ترسيخ ثقافة الحقوق، ومن التعويض إلى الوقاية، ومن مجرد تتبع الالتزامات إلى قياس أثر السياسات العمومية على حياة المواطنين.

ولا يمثل هذا التحول قطيعة مع مكتسبات العدالة الانتقالية، بل امتدادا طبيعيا لها، بما يعزز مكانة سيادة القانون، ويقوي الثقة في المؤسسات، ويجعل حقوق الإنسان جزءا من الممارسة اليومية للإدارة العمومية.

وبذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة لا تقتصر على استكمال معالجة ملفات الماضي، وإنما تتجه نحو توظيف ما راكمه المغرب من خبرة في مجال العدالة الانتقالية لبناء نموذج أكثر تطورا في الحكامة الحقوقية، يجعل من حقوق الإنسان رافعة للتنمية الديمقراطية المستدامة، ومن دروس الماضي أساسا لتشييد مستقبل أكثر عدلا وإنصافا.

شارك المقال شارك غرد إرسال
Journal24