
شارك المغرب الخميس في الاجتماع الأول لمجلس السلام الذي انعقد في واشنطن، ليصبح أول دولة تقدم مساهمة عملية مباشرة لغزة عبر هذا المجلس الدولي، في خطوة تُبرز الدور الفاعل للمملكة في دعم الاستقرار الإقليمي وإعادة البناء.
وأكد وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، أن المملكة لم تقتصر على تقديم دعم رمزي أو مالي، بل قدمت حزمة متكاملة تشمل الدعم الميداني، الأمني، والدبلوماسي، في محاولة لترجمة الالتزام السياسي إلى أفعال ملموسة على الأرض.
وأوضح بوريطة أن المغرب مستعد لإرسال ضباط كبار للانضمام إلى “قوة الاستقرار الدولية” المقترحة، كما سيشارك خبراء الشرطة المغاربة لتعزيز الأمن المحلي وضمان استقرار المدنيين.
ويأتي هذا التوجه في إطار الرؤية المغربية لتعزيز السلام الاجتماعي والمعالجة الإنسانية للأزمات، إذ ستقدم المملكة أيضاً دعماً مباشراً عبر إنشاء مستشفى ميداني لتقديم الخدمات الصحية العاجلة للمتضررين من الحرب، بما يعكس اهتمامها بالتوازن بين الاستقرار المدني والأمن العسكري.
ويُعد هذا التحرك المغربي نموذجاً للعمل الإنساني والدبلوماسي المتكامل، حيث يجمع بين دعم إعادة الإعمار، توفير الحماية للأفراد، وتقديم الخبرات الأمنية لضمان استدامة الاستقرار في غزة.
ويؤكد الباحث في الشؤون الاستراتيجية هشام معتضد في تصريح ل” العرب” أن المغرب يتمتع بقدرة فريدة على الجمع بين الوساطة السياسية والحضور الإنساني المباشر، مما يمنحه مصداقية عالية لدى الفلسطينيين ويزيد من تأثير مساهمته في مجلس السلام.
وأوضح معتضد أن المغرب قادر على تقديم حلول متكاملة تشمل إعادة الإعمار وحماية المدنيين، مع مراعاة التوازنات الأمنية بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، وهو ما يمثل أداة استراتيجية لتعزيز الاستقرار ومنع التصعيد في القطاع.
وتأتي هذه الخطوة المغربية في سياق مؤتمر واشنطن الذي افتتحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤكداً على التزام مجلس السلام بتحقيق إدارة رشيدة للقطاع الفلسطيني وتوفير الدعم المالي واللوجستي.
وأعلن ترامب أن المجلس سيقدم نحو 10 مليارات دولار لدعم غزة، شملت مساهمة المغرب ضمن حزمة الإغاثة، مؤكداً أن التعاون متعدد الأطراف في التمويل والتدريب والدعم اللوجستي يعكس التزام المجتمع الدولي بمساندة سكان القطاع وتحقيق التنمية المستدامة.
ويعكس الانخراط المغربي الميداني التزام المملكة ليس فقط بالمشاركة في التمويل، بل أيضاً في تعزيز الأمن والاستقرار من خلال إرسال قوات وأطر مختصة، لتصبح المغرب واحدة من أول خمس دول وافقت على الانخراط في قوة متعددة الجنسيات تهدف إلى حفظ الأمن وتوفير بيئة مستقرة، وتقديم الدعم الإداري والتقني لإعادة بناء غزة.
وأوضح اللواء جاسبر جيفرز، قائد القوة المدنية – العسكرية المزمع تشكيلها، أن مهام هذه القوة ستركز على محورين: توفير بيئة آمنة ومستقرة داخل القطاع، ودعم لجنة الإدارة المحلية لتقييم البنى التحتية، تمهيداً لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار وتحقيق استقرار طويل الأمد.
ويقول معتضد إن قدرة المغرب على رصد ديناميات الأزمات وتقدير المخاطر المستقبلية تسمح له بتقديم مقترحات عملية لبناء آليات ثقة بين الأطراف المختلفة. كما أن هذا المزيج بين الوساطة والدعم الميداني يجعل التدخل المغربي أكثر مصداقية ويعزز موقع المملكة كفاعل دولي مسؤول وفعّال في حفظ الاستقرار الإقليمي.
التحرك المغربي يجمع بين دعم إعادة الإعمار، توفير الحماية للأفراد، وتقديم الخبرات الأمنية لضمان استدامة الاستقرار في غزة.
وفي هذا الإطار، أشاد المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية وخطيب المسجد الأقصى، الشيخ محمد حسين، بالجهود التي تقوم بها وكالة بيت مال القدس الشريف والمملكة المغربية بقيادة العاهل المغربي الملك محمد السادس، مؤكداً أن دعم المملكة للشعب الفلسطيني كان وما يزال سنداً قوياً للقضية الفلسطينية في المجالات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية.
كما أوضح محمد سالم الشرقاوي، المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف، أن الوكالة واصلت خلال سنة 2025 تعزيز الحضور الميداني من خلال فرق متكونة من أطر مغربية وفلسطينية، لمتابعة تنفيذ المشاريع وتقييم أثرها على المستفيدين بدقة ومنهجية.
ويُظهر هذا الالتزام المغربي مزيجاً متقدماً من الدبلوماسية العملية والتدخل الميداني، حيث يمتد تأثيره إلى الجوانب الأمنية والإنسانية والتنموية، ويجعل المملكة نموذجاً لدور الدول الفاعلة في الشرق الأوسط.
كما أن إرسال خبراء الشرطة والقوات المغربية يعزز الأمن المدني، ويخلق بيئة مستقرة تسمح بتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، وهي خطوة أساسية لضمان سلامة السكان المحليين واستدامة العمليات الإنسانية.
ويأتي التدخل المغربي في وقت تتطلع فيه الدول المشاركة في مجلس السلام إلى ضمان استمرار عملية إعادة الإعمار وتحقيق السلام المستدام في غزة، مما يجعل المغرب شريكاً استراتيجياً أساسياً في الجهود الدولية لدعم الاستقرار الإقليمي.
ويؤكد المحللون أن هذا الدور الميداني يعكس قدرة المغرب على الدمج بين السياسة والدبلوماسية والعمل الميداني، بما يعزز من فاعلية مبادرات إعادة البناء ويخلق أرضية مستدامة للحلول طويلة الأمد.
وتبرز مساهمة المغرب الميدانية في غزة كنموذج متكامل للعمل الإنساني والدبلوماسي، يجمع بين تقديم المساعدات المالية، الدعم الأمني، وإرسال الخبرات الميدانية، مع الحفاظ على الدور السياسي والدبلوماسي للمملكة.
وتجعل هذه الخطوة من المغرب لاعباً موثوقاً وفاعلاً في ملفات الشرق الأوسط، ويعكس نضج المملكة في هندسة استراتيجيات حفظ السلام ضمن بيئات متعددة الأطراف، بما يسهم في تحقيق الاستقرار وتعزيز التنمية المستدامة في غزة والمنطقة بأسرها.

