لا يختلف اثنان على أن حكومة أخنوش، التي سميت زورا بحكومة الكفاءات، ضمت بين ظهرانيها أسماء لا تستحق حتى شغل منصب بسيط في إدارة محلية من الإدارات العمومية، فكيف بمسؤوليات كبيرة تجعلهم يتحكمون في مقدرات الشعب المغربي وتحولها إلى ملكية خاصة، يتصرفون فيها بمنطق المحسوبية والمحزوبية، دون أن يكترثوا بهموم المواطنين وانشغالاتهم، خاصة في ظل موجة الغلاء والتهاب الأسعار التي تسبب فيها الفراقشية الموالون لهؤلاء المسؤولين.

إن ما قام به هؤلاء الوزراء يمثل خيانة للأمانة وتلاعبا بمقدرات المغاربة، وتسخيرها لأهوائهم الشخصية بطريقة فجة وفاضحة، بل تجاوزت خيانة بعضهم للمسؤولية الموكولة إليهم إلى خيانة الملك، من خلال مشاريع وهمية قدمت بين يديه بشعارات براقة ومعلومات مغلوطة.
أبرز هؤلاء الوزراء هو المدعو محمد المهدي بنسعيد، ابن حي يعقوب المنصور بالعاصمة الرباط، الذي تحول بقدرة قادر من شخص بسيط إلى رجل أعمال، دون أن تعرف له مهنة مارسها، بل وتحول إلى قيادة سياسية وحزبية دون أن يكون له أي مسار سياسي أو نضالي معروف.
هذا الرجل، بالإضافة إلى زلاته التي لا تعد ولا تحصى في مجال تدبيره لشؤون وزارة الشباب والثقافة والتواصل، جاء بمشروع ما سمي بشركة “نيو موتورز”، الذي قدم باعتباره مشروعا مغربيا في مجال صناعة السيارات الكهربائية، لكنه أثار بعد ذلك نقاشا حادا حول مصادر التكنولوجيا والتمويل المعتمدين في إنجازه، ومدى تنفيذ الالتزامات المرتبطة بالمشروع والاستثمارات التي أعلن عنها.
وتمحور النقاش أساسا حول مآل السيارة التي تم تقديمها أمام الملك محمد السادس، ومصدر التكنولوجيا المعتمدة في تصنيعها، فضلا عن طبيعة الموارد المالية التي جرى توظيفها لإنشاء المصنع والاستثمار في المشروع، ومدى تطابق ما تم إنجازه فعليا مع الأهداف التي سبق الإعلان عنها.
مشروع بنسعيد، الذي أعلن عنه في إطار اتفاقية استثمارية بقيمة 50 مليون يورو، مع توقعات بإحداث نحو 600 منصب، تبين في الأخير أنه ليس إلا ورشة لتركيب السيارات الصينية، يتم استيرادها مفككة بأثمان منخفضة، على أن يتم تركيبها وبيعها داخل المغرب بأسعار مضاعفة، هذا دون الحديث عن طبيعة علاقة المشروع بالمؤسسات العمومية، ومدى استفادته من مختلف أشكال الدعم أو التحفيزات الحكومية الموجهة للاستثمارات الصناعية، باعتباره مشروعا قدم بين يدي الملك.
لذلك ظهرت بعض الأصوات تطالب بإخضاع ملف “نيو موتورز” للتدقيق والتحري الإعلامي والمؤسساتي، في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصا في الملفات التي تتقاطع فيها الاستثمارات الخاصة مع العمل السياسي أو الاستفادة من آليات الدعم العمومي، واستغلال شخص الملك في كل ذلك، وهو الأمر الذي اعتبره البعض خيانة للثقة الملكية.
فحين يحظى مشروع اقتصادي باهتمام ملكي، ويقدم باعتباره نموذجا لصناعة وطنية واعدة، فإن المسؤولية تصبح أكبر، والانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة الإنجاز يصبح أمرا لا يحتمل المراوغة أو الغموض.
فالملك ليس طرفا في مشروع تجاري، ولا ينبغي أن تتحول المبادرات التي تعرض أمامه إلى مجرد واجهة دعائية. وتقديم مشروع بين يديه يفترض أن تكون المعطيات المتعلقة به دقيقة، وأن تكون الوعود المعلنة قابلة للتحقق، وأن يتحمل كل مسؤول شارك في تقديمه مسؤوليته كاملة عن مضمون تلك المعطيات.
ومن ثم، فإن كان هناك تعمد في تقديم معلومات غير دقيقة أو وعود غير قابلة للتحقق، فإن وصف الأمر بأنه مساس بالثقة الملكية يصبح من الأسئلة السياسية المشروعة التي تستوجب التحقيق والتوضيح.



