ظهر عبد الإله بنكيران في خطابه الأخير بصورة غير معتادة، مغايرة لأسلوبه الحاد الذي طبع خرجاته السابقة. هذه المرة، بدا أكثر هدوءًا وليونة، وكأنه يوجّه رسائل مبطنة إلى ما كان يسميه سابقًا بـ”العفاريت والتماسيح”، في إشارة طالما أثارت الجدل داخل المشهد السياسي المغربي.
بنكيران، الذي اعتاد مخاطبة جمهوره وهو جالس، اختار هذه المرة الوقوف، في خطوة رمزية قرأها متابعون على أنها إعلان عودة قوية أو رسالة تحدٍّ لخصومه، وكأنه يقول: “عدت إليكم”. هذا التحول في لغة الجسد رافقه أيضًا تغيير في نبرة الخطاب، حيث مزج بين الانتقاد والدفاع، بل وحرص على توظيف كلمات بالفرنسية، في دلالة على انفتاح أو محاولة مخاطبة فئة أوسع.
ولم يخلُ الخطاب من مفارقات، إذ دافع بنكيران عن رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش، لكنه في الوقت نفسه وجّه له انتقادات مبطنة بلغة شعبية، في ما يشبه “تمرير الرسائل بين السطور”. حيث اعتبر أن ما عاشه خلال ولايته من “تدخلات” هو نفسه ما يواجهه أخنوش اليوم، في إشارة إلى ما وصفه بـ”الجهة المتحكمة”.
هذا الطرح يعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا: من يقصد بنكيران بهذه “الجهة المتحكمة”؟ وهل تغير موقفه منها، خاصة حين ينتقل من انتقادها إلى توجيه عبارات الشكر لها في سياقات أخرى؟
الخطاب بدا وكأنه محاولة للجمع بين النقيضين: انتقاد واحتواء، هجوم وتهدئة، ما يجعل البعض يقرأه كإشارة إلى وجود تفاهمات غير معلنة، أو على الأقل إعادة تموقع سياسي في مرحلة دقيقة.
في المقابل، يرى متابعون أن مثل هذه الرسائل لا تُفهم فقط داخل الدوائر السياسية، بل تحمل أيضًا إشارات ينبغي على الرأي العام التقاطها، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الحزبي، حيث تبرز تحركات بعض الأحزاب، من بينها حزب الاستقلال، التي يُقال إنها تشتغل على إعادة ترتيب قواعدها الانتخابية، خصوصًا في الأقاليم الجنوبية، وهو ملف يُنتظر أن يكشف عن تفاصيله في سياق لاحق.
في المحصلة، يطرح خطاب بنكيران أكثر من علامة استفهام، بين من يراه مجرد تحول في الأسلوب، ومن يعتبره مؤشرًا على تغير أعمق في موازين الخطاب السياسي، وربما في طبيعة العلاقات داخل دوائر القرار.



