في خضم التوتر المتصاعد حول سبتة، بدأت الصحافة الإسبانية تفتح بشكل متزايد ملفا ظل لسنوات من السيناريوهات غير المرغوب فيها، وغير المطروحة أصلا، ماذا لو تحولت الأزمة بين مدريد والرباط إلى مواجهة مفتوحة؟ وبينما لا توجد مؤشرات رسمية على قرب اندلاع حرب بين البلدين، فإن مجرد عودة هذا السيناريو إلى واجهة النقاش الإعلامي والسياسي في إسبانيا يعكس حجم القلق الذي خلفته أحداث سبتة الأخيرة.

فأحداث 30 و31 يوليوز، التي شهدت دخول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى المدينة، دفعت السلطات الإسبانية إلى نشر قوات من الجيش لتعزيز الأمن على الحدود، قبل أن تتحول الأزمة إلى ملف للأمن القومي وتصل إلى مجلس الأمن القومي الإسباني.
ولم يعد النقاش في إسبانيا مقتصرا على تدبير أزمة الهجرة، بل امتد إلى الحديث عن جاهزية القوات المسلحة، وقدرة البلاد على التعامل مع أي تطور أمني قد يطال سبتة ومليلية. وتناولت وسائل إعلام إسبانية بالفعل سيناريوهات مواجهة محتملة مع المغرب، بما في ذلك مقارنة القدرات العسكرية للبلدين ومناقشة نقاط الضعف والقوة في حال اندلاع نزاع.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أكثر حساسية داخل إسبانيا: من سيُستدعى إلى الجيش إذا تحولت الأزمة إلى حرب؟
ينص الدستور الإسباني، في مادته الثلاثين، على أن للإسبان «الحق والواجب في الدفاع عن إسبانيا»، فيما تعتمد البلاد حاليا على جيش محترف يضم نحو 120 ألف عسكري.
غير أن التشريع الإسباني يتيح، في ظروف استثنائية، اللجوء إلى قوات الاحتياط. وتشمل هذه المنظومة فئات من العسكريين الذين سبق لهم أداء الخدمة العسكرية، إضافة إلى الاحتياط المتطوعين الذين يطلبون الالتحاق بالقوات المسلحة عند الحاجة.
وفي حال عدم كفاية هذه الموارد، يمكن للحكومة، وفق الإجراءات القانونية، طلب تفويض من مجلس النواب لتفعيل الاحتياط الإلزامي.
وتشير المعطيات القانونية التي تناقشها الصحافة الإسبانية إلى أن هذه الخطوة قد تشمل الإسبان الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و25 عاما، مع إمكانية إخضاع من لم يسبق لهم تلقي تدريب عسكري لتكوين سريع يتناسب مع المهام التي سيكلفون بها. وقد تناولت صحيفة «لا رازون» هذا السيناريو ضمن نقاش أوسع حول إمكانية استدعاء المواطنين في حال تصعيد عسكري واسع.
لكن الحديث عن التعبئة لا يعني بالضرورة إعادة الخدمة العسكرية الإلزامية بصورتها التقليدية. فالدستور الإسباني يعترف بحق الاستنكاف الضميري، ويتيح القانون للأشخاص الذين لا يرغبون في حمل السلاح تقديم إقرار بهذا الشأن، على أن يتم توجيههم إلى مهام لا تتطلب استخدام الأسلحة.
من أزمة سبتة إلى سيناريو المواجهة
ما يزيد حساسية هذا النقاش هو أن أزمة سبتة لم تعد مجرد أزمة هجرة بالنسبة إلى قطاعات من المشهد السياسي والإعلامي الإسباني. فقد وصف بعض السياسيين الإسبان ما حدث بأنه تحد للأمن القومي، في حين وجهت قوى معارضة اتهامات مباشرة إلى الحكومة بسبب ما اعتبرته تأخرا في التعامل مع الأزمة.
وفي المقابل، تواصل الحكومة الإسبانية التأكيد على التعاون مع المغرب، بينما رفضت مدريد بشكل قاطع أي مطالب مغربية بشأن سبتة ومليلية، مؤكدة أن المدينتين جزء من السيادة الإسبانية.
ومع تصاعد الخطاب السياسي، بدأت بعض وسائل الإعلام الإسبانية تطرح أسئلة تتجاوز الأزمة الحالية: هل تحتاج إسبانيا إلى تعزيز وجودها العسكري في سبتة ومليلية؟ وهل تستطيع قواتها الحالية التعامل مع سيناريو مواجهة محتملة؟ وهل ستكون هناك حاجة إلى تعبئة الاحتياط في حال اندلاع نزاع؟
هذه الأسئلة لا تعني أن الحرب أصبحت وشيكة، لكنها تكشف أن نبرة الخطاب الأمني والعسكري تجاه المغرب ارتفعت بشكل ملحوظ في إسبانيا، خصوصا منذ أزمة سبتة الأخيرة.
وبينما لا يزال التعاون الأمني بين الرباط ومدريد قائما، فإن دخول مصطلحات مثل «الأمن القومي»، و«التهديد الهجين»، و«الاستعداد العسكري»، و«الاحتياط» إلى النقاش العام الإسباني يجعل العلاقة بين البلدين أمام مرحلة أكثر حساسية.
فهل يتعلق الأمر بمجرد استعداد احترازي تفرضه أزمة سبتة، أم أن مدريد بدأت فعلا إعادة حساباتها العسكرية تحسبا لأسوأ السيناريوهات؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على قرار إسباني بالاستعداد لحرب مع المغرب، لكن طبول النقاش العسكري بدأت تسمع بوضوح أكبر في الإعلام والسياسة الإسبانيين.



