في كل مرة تعلن فيها الأجهزة الأمنية المغربية عن تفكيك خلية إرهابية جديدة، يخرج علينا بعض “الخبراء الافتراضيين” ليشككوا في هذه العمليات، وكأنهم محللون استراتيجيون في مكتب استخباراتي خفي، “من تحت الدف”، بينما لا يملكون حتى القدرة على تحليل فاتورة الماء والكهرباء الخاصة بهم، أو قراءة وصفة الدواء.
هؤلاء العباقرة، جهابذة التحليل الأمني في راس الدرب، لا يرون في الإرهاب سوى “فيلم مفبرك”، وكأن المغرب يهوى إنتاج السيناريوهات أكثر من هوليوود!
الغريب أن هؤلاء المشككين يظهرون بمجرد صدور خبر تفكيك خلية إرهابية، فيبدأون في كتابة تعليقاتهم الملحمية على مواقع التواصل الاجتماعي، معتقدين أنهم اكتشفوا مؤامرة عظيمة تحاك في الظلام! طبعا، هم لا يحتاجون إلى أدلة أو معطيات، فـ”التحليل العميق” لديهم يعتمد على جملة مثل: “أنا غير كنشك، وتا كيفاش دارو ليها والصحافة حاضرة وكيصورو”، وكأن التشكيك في حد ذاته برهان علمي!
ربما هاؤلاء لا يفهمون ولا يعون ولن يُدركوا أبدا، مُستوى التنسيق والعمل الاحترافي الذي “تُطَرّزُه الأجهزة الأمنية”.
الطريف أن هؤلاء ينقسمون إلى نوعين: الأول يرى أن الإرهاب غير موجود أصلا، وأنه مجرد “سيناريو مخدوم والقضية فيها إن وأخواتها وأولاد عمها”، والثاني يعترف بوجود الإرهاب لكنه يصرخ: “علاش المغرب بوحدو لي كيتشد فيه الإرهابيين؟”، وكأن المطلوب من الأجهزة الأمنية أن تترك الإرهابيين يتجولون بحرية فقط لكي يقتنع المشككون بأن الخطر حقيقي!
“لا لا هذوا بغاو حتى يبداو يشوفو حوادث الطعن في الشارع ويشوف حوادث الدهس بالسيارات كما يقع فالبلدان الأخرى”، عندها يُمكن ومُمكن أن يُصدقوا.
بعضهم يؤمن بـ”نظرية المؤامرة”، حيث يؤمن بأن الأمن المغربي لديه مصلحة في “خلق الإرهاب”، وكأن البلاد تحتاج إلى تسويق نفسها عبر “الإرهاب التخيلي”، بدل أن تفتخر بأمنها واستقرارها.
هؤلاء غالبا لا يقرؤون التقارير الدولية التي تشيد بيقظة المغرب، لأن وقتهم الثمين يُستهلك في مشاهدة فيديوهات يوتيوب عن “المؤامرة الكونية ضد الوعي”!
أما المثير للسخرية فعلا، فهو أن بعض المشككين في الإرهاب هم أنفسهم الذين يصابون بـ”الخلعة” عندما يتم الإعلان عن خلية إرهابية قرب مدينتهم، فتجدهم فجأة يتحولون إلى خبراء أمنيين يتساءلون: “واش بصح شدو إرهابيين قبل ميتفركعو؟”، وكأنهم كانوا ينتظرون دليلا ملموسا من الإرهابيين أنفسهم على نواياهم الشريرة!
والأدهى أن بعض هؤلاء الذين ينكرون وجود الإرهاب هم نفسهم الذين يصرخون عند وقوع أي هجوم إرهابي في بلد آخر، ويسألون بجدية شديدة: “فين كان الأمن ديالهوم؟ كيفاش خلاوهم يديرو هادشي؟ ياودي يال الدول المتقدمة ياودي”، وكأنهم يريدون من السلطات أن تمنحهم نسخة مسبقة من لائحة الإرهابيين!
سواء اعترف هؤلاء بوجود الإرهاب أو قرروا العيش في فقاعتهم الافتراضية، فإن الأمن المغربي مستمر في حماية البلاد دون الحاجة إلى تصديقهم.
والأجهزة الأمنية لا تنتظر لايكات الفيسبوك ولا موافقة “فلاسفة المقاهي ولعب الضامة”، لأنها ببساطة تقوم بعملها لمنع المتطرفين من تحويل حياة المغاربة إلى كابوس دموي.
“وباش نكون معاكوم صريح” إذا كان هناك شيء يستحق الشك، فهو القدرة العقلية لبعض هؤلاء المشككين!
