يواجه النظام العسكري الحاكم في الجزائر، ضغوطا متزايدة على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، في ظل توقعات صندوق النقد الدولي باستمرار تراجع الأصول الخارجية خلال السنوات المقبلة، بالتزامن مع اتساع العجز المالي واستمرار اعتماد الاقتصاد على عائدات المحروقات.
ووفقا للأرقام الواردة في التقرير، بلغت الاحتياطيات الرسمية للجزائر نحو 68.9 مليار دولار سنة 2024، قبل أن تتراجع إلى حوالي 51 مليار دولار سنة 2025، مع توقع انخفاضها إلى 46.5 مليار دولار بنهاية سنة 2026. وتشير التقديرات نفسها إلى احتمال استمرار هذا المنحى لتصل الاحتياطيات إلى 41 مليار دولار سنة 2027، و27.8 مليار دولار سنة 2028، ثم 19.8 مليار دولار سنة 2030.
وتظل هذه الأرقام توقعات مرتبطة بالافتراضات الاقتصادية المعتمدة، غير أنها تعكس، وفق التحليل، التحديات التي تواجه قدرة الجزائر على تمويل وارداتها والحفاظ على هوامشها المالية الخارجية.
وفي مواجهة هذه الضغوط، دعا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلال اجتماع مع فاعلين اقتصاديين في 14 أكتوبر الجاري، إلى ترشيد الواردات وتعزيز الصادرات، منتقدا ما وصفهم بـ«الطفيليين»، الذين يتهمهم باستنزاف احتياطيات النقد الأجنبي دون تقديم قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وبالتوازي مع هذه التصريحات، عززت السلطات الجزائرية آليات مراقبة عمليات الاستيراد، من خلال إحداث لجنة دائمة تتولى دراسة الطلبات وترتيب الأولويات، بمشاركة ممثلين عن قطاعات حكومية ومؤسسات مالية وهيئات اقتصادية، بهدف توجيه الموارد من العملة الصعبة نحو الاحتياجات الأساسية وضمان استمرارية الأنشطة الإنتاجية.
غير أن هذه التدابير تطرح تحديات مرتبطة بتحديد طبيعة الواردات التي يمكن تقليصها دون التأثير على الإنتاج والاستثمار، إذ قد تؤدي القيود الواسعة إلى ارتفاع تكاليف الشركات وتأخير مشاريعها، فضلا عن الحد من قدرتها على تطوير منتجات موجهة للتصدير.
ويربط التحليل الضغوط التي تواجه الاحتياطيات بعدة عوامل، أبرزها ارتفاع الواردات وتراجع عائدات صادرات المحروقات، إلى جانب استمرار عجز الميزانية وتزايد الاحتياجات التمويلية للدولة. ويجعل هذا الوضع الاستقرار المالي للجزائر مرتبطا بدرجة كبيرة بتقلبات أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية.
وفي إطار مساعي تنويع الاقتصاد، تراهن السلطات الجزائرية على مشاريع كبرى في قطاعات التعدين والصناعة والزراعة، من بينها منجم الحديد في غارا جبيلات، ومشاريع الفوسفات بمنطقة تبسة، فضلا عن مشاريع استغلال الزنك والرصاص في بجاية، إلى جانب تطوير الأنشطة الزراعية في جنوب البلاد.
ويرتبط الأثر الاقتصادي لهذه المشاريع بمدى تقدمها ودخولها مرحلة الإنتاج التجاري، وقدرتها على خلق قيمة مضافة وتوفير صادرات منتظمة تدر العملة الصعبة. كما يتطلب نجاحها تحسين كفاءة الاستثمار العمومي، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز المنافسة ودور القطاع الخاص.
ويتمثل التحدي الرئيسي أمام الجزائر في تحويل مواردها الطبيعية واستثماراتها إلى قاعدة إنتاجية متنوعة وقادرة على توليد عائدات خارج قطاع المحروقات، بما يحد من تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية ويحافظ على قدرته على تمويل احتياجاته.
وبينما يمكن أن تساهم مراقبة الواردات في الحد من بعض النفقات الخارجية، فإن استدامة الاحتياطيات تظل مرتبطة بمدى نجاح الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وقدرة البلاد على تنويع صادراتها وتقليص اختلالاتها المالية.

