من ضواحي مدينة تالوين المعروفة بإنتاج الزعفران بالمغرب إلى ضواحي باريس.. حكاية مغربي جعل من التضامن مع الطلبة الباحثين رسالة إنسانية تتجاوز الدعم المادي إلى المواكبة والاحتضان وبناء جسور الثقة.
يجسد الحسن إد بوهو، أحد أبناء منطقة أيت والمان جماعة أسايس، نموذجاً للمغاربة المتشبثين بجذورهم وقيمهم الأصيلة، وفي مقدمتها التضامن والتآزر والتكافل، وهي قيم متجذرة في الثقافة الأمازيغية، وتنتقل مع أبناء المنطقة أينما حلوا وارتحلوا. ففي مدينة أورساي، بضواحي باريس، اختار هذا المواطن المغربي أن يجعل من علاقته بالطلبة المغاربة امتداداً عملياً لهذه المبادئ، من خلال تقديم أشكال متعددة من الدعم والمساندة للطلبة الباحثين الذين يتابعون دراستهم بمؤسسات التعليم العالي بالمنطقة.
ويُدير إد بوهو مشروعاً تجارياً في مجال المخبوزات والحلويات والمشروبات بالقرب من إحدى محطات القطار بمدينة أورساي، وهي منطقة تستقطب أعداداً مهمة من الطلبة والباحثين، بالنظر إلى وجود مؤسسات جامعية وعلمية مرموقة، من بينها جامعة باريس-ساكلاي والمدرسة المتعددة التقنيات. وفي محيط يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصاً بالنسبة للطلبة القادمين من المغرب، لم يقتصر دور هذا الرجل على ممارسة نشاطه التجاري، بل امتد ليشمل مساعدة الطلبة ومواكبتهم في مواجهة بعض الصعوبات الاجتماعية والمادية التي تعترض مسارهم الدراسي.
وتتجاوز مبادرات التضامن التي يقدمها الحسن إد بوهو توفير الوجبات الغذائية أو المساعدة في إيجاد سكن مؤقت أو تقديم قروض مالية عند الحاجة، لتشمل أيضاً مساعدة الطلبة في العثور على فرص عمل مؤقتة تتناسب مع أوقات دراستهم، بما يمكنهم من توفير جزء من مصاريفهم اليومية والتخفيف من أعباء الحياة في فرنسا. وهي مبادرات تعكس فهماً عميقاً لاحتياجات الطلبة المغاربة، ولا سيما أولئك الذين يواصلون مسارهم الأكاديمي بعيداً عن أسرهم وفي ظروف تتطلب منهم قدراً كبيراً من الصبر والاجتهاد والتدبير.
وتعود علاقة إد بوهو بالمغرب إلى نحو ثلاثة عقود من الهجرة والعمل بفرنسا، بعدما غادر مسقط رأسه بتالوين، حاملاً معه رصيداً من القيم الاجتماعية التي تميز مجتمعه الأصلي. وخلال هذه السنوات، نسج علاقات إنسانية واجتماعية متينة مع عدد من الطلبة المغاربة، خاصة أبناء الجنوب الشرقي، الذين وجدوا فيه شخصاً موثوقاً يمكن اللجوء إليه عند الحاجة، سواء تعلق الأمر بمواجهة صعوبات مادية أو البحث عن فرص للعمل أو الحصول على المساندة المعنوية في مراحل الدراسة والإقامة.
وخلال لقاءات للجريدة بمدينة أورساي، استحضَر عدد من الطلبة المغاربة، من بينهم عمر وخالد وأيوب وهشام وعبد المجيد، إلى جانب آخرين، تجاربهم وذكرياتهم مع الحسن إد بوهو، مشيدين بما لمسوه من دعم ومساندة ووفاء للعلاقات الإنسانية التي تجمعه بهم. وبين هؤلاء من غادر المدينة بعد استكمال دراسته، ومن لا يزال مقيماً بها، فيما تمكن عدد منهم من بلوغ مستويات علمية متقدمة والحصول على شهادة الدكتوراه في تخصصات علمية مختلفة. ويجمع هؤلاء، بحسب شهاداتهم، على أن تجربة إد بوهو تمثل نموذجاً لافتاً للتضامن الاجتماعي الذي يساعد الطلبة على تجاوز صعوبات الغربة ومواصلة مسارهم العلمي.
وتؤكد هذه التجربة أن التضامن الأمازيغي لا تحده الجغرافيا ولا تنحصر ممارسته داخل حدود الوطن، بل يظل قيمة إنسانية واجتماعية يحملها أبناء المنطقة معهم إلى مختلف بلدان العالم. كما تبرز أهمية المبادرات الفردية في تعزيز الروابط بين أفراد الجالية المغربية، وتوفير بيئة أكثر دعماً للطلبة والباحثين الشباب. فبالنسبة إلى الحسن إد بوهو، لا يبدو التضامن مجرد مساعدة عابرة، بل ممارسة يومية تستمد معناها من الانتماء إلى الأرض والجذور، ومن الإيمان بأن مساعدة طالب اليوم قد تكون مساهمة في صناعة عالم وباحث ومهندس وطبيب الغد.

