يشكل تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، محطة سياسية تفتح، إلى جانب بعدها المؤسساتي، مجالاً للتفكير في سؤال أعمق يتعلق بمعنى «الأصالة والمعاصرة» في المغرب اليوم. فالمسألة لا تتعلق فقط باسم حزب سياسي أو بشعار انتخابي، وإنما بمفهومين ظلا حاضرين في النقاش المغربي منذ عقود، وبإمكانهما أن يشكلا مدخلاً للتفكير في مشروع مجتمعي يستجيب لتحولات المغرب ويحافظ في الوقت نفسه على شخصيته الحضارية.
فالأصالة والمعاصرة لا تبدوان، في التجربة المغربية، مفهومين متناقضين بالضرورة. فالمغرب لم يبنِ تاريخه على القطيعة بين الماضي والمستقبل، ولا على الاختيار بين الانغلاق والانفتاح، وإنما على القدرة المستمرة على استيعاب المؤثرات المختلفة وإعادة صياغتها داخل شخصيته الخاصة. فمن الأندلس والمشرق وإفريقيا وأوروبا والمتوسط، أخذ المغرب وتأثر وأثر، لكنه لم يفقد مع ذلك قدرته على إنتاج خصوصيته. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نختار بين الأصالة والمعاصرة؟ بل كيف نجعل المعاصرة امتداداً حياً للأصالة، وكيف نجعل الأصالة قادرة على التجدد والاستجابة لأسئلة العصر؟
وهذا التلازم بين الأصالة والانفتاح والمعاصرة يجد أساسه في الرؤية الملكية للمغرب الحديث. ففي أول خطاب للعرش يوم 30 يوليوز 1999، أكد جلالة الملك محمد السادس طموح المغرب إلى السير في طريق التطور والحداثة والانخراط في الألفية الثالثة، مع التطلع إلى المستقبل في «تعايش مع الغير وتفاهم مع الآخر»، والحفاظ في الوقت نفسه على الخصوصية والهوية «دون انكماش على الذات»، في كنف «أصالة متجددة» و«معاصرة ملتزمة بقيمنا المقدسة». وهي صياغة تحمل دلالة عميقة: فالمغرب لا ينفتح على العصر بالتخلي عن ذاته، ولا يحافظ على ذاته بالابتعاد عن العصر.
وتتضح هذه الرؤية أكثر في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في لقاءات فاس حول «المقدس والحداثة» سنة 2007، حيث أكد جلالة الملك أن التمسك بالمقدس لا يعني الانغلاق أو التحجر، كما أن الأخذ بالحداثة لا يعني الاستلاب أو الاغتراب، مستحضراً قدرة المغرب التاريخية على الجمع بين المقدس والحداثة، وعلى أن يكون فضاءً لتلاقي الثقافات وتعايشها وتلاقحها. وقد دعا في الرسالة نفسها إلى التكامل والانسجام بين القداسة والحداثة، وتبديد التصورات التي تفترض وجود تناقض حتمي بينهما.
ومن هنا يمكن لمفهوم «تمغربيت» أن يقدم مدخلاً فكرياً لفهم العلاقة بين الأصالة والمعاصرة. فتمغربيت ليست عودة إلى الماضي، كما أنها ليست شعاراً ثقافياً مغلقاً، وإنما هي حصيلة تاريخ طويل من التفاعل والانتقاء وإعادة البناء. إنها الطريقة التي استطاع بها المغرب أن يحافظ على شخصيته وهو يتفاعل مع محيطه، وأن يجمع بين روافده العربية والأمازيغية والإفريقية والأندلسية والصحراوية والمتوسطية، دون أن تتحول هذه التعددية إلى تناقض أو تفكك. ولذلك فإن تمغربيت ليست بديلاً عن الحداثة، بل يمكن أن تكون إحدى طرق جعل الحداثة منسجمة مع المجتمع الذي تستهدف تطويره.
فالحداثة التي يحتاجها المغرب ليست بالضرورة نسخة جاهزة مستوردة من تجربة أخرى، كما أن الأصالة التي يحتاجها ليست حنيناً إلى زمن مضى. الحداثة في معناها العميق هي القدرة على إنتاج المعرفة، وتطوير المؤسسات، واحترام القانون، وتشجيع العلم والابتكار، وتوسيع فضاءات المشاركة، وصيانة الكرامة الإنسانية، وإطلاق طاقات الشباب والمرأة، وربط التنمية بالعدالة والفعالية. والأصالة، في المقابل، هي أن يتم كل ذلك داخل سياق تاريخي وثقافي وروحي يفهمه المغاربة ويجدون أنفسهم فيه.
وهنا يصبح مفهوم تمغربيت أكثر من مجرد هوية ثقافية؛ إنه يمكن أن يتحول إلى طريقة في التفكير في الدولة والمجتمع والتنمية. فالمغرب الذي يريد أن يكون حاضراً في الاقتصاد العالمي، وفي المعرفة والتكنولوجيا، وفي العلاقات الدولية، لا يحتاج إلى أن يتخلى عن موروثه لكي يصبح حديثاً. بل يحتاج إلى أن يجعل من موروثه رصيداً للإبداع، ومن تنوعه الثقافي مصدر قوة، ومن انفتاحه التاريخي أساساً لعلاقته بالعالم. وهذا ما يجعل الثقافة والتعليم والبحث العلمي والاقتصاد والإبداع والسياسات الاجتماعية أجزاء من مشروع واحد، لا ملفات منفصلة عن سؤال الهوية.
كما أن تمغربيت، بهذا المعنى، لا ينبغي أن تكون مفهوماً موجهاً إلى الداخل فقط. فالمغاربة المقيمون بالخارج يمثلون جزءاً من هذا الامتداد؛ يعيشون في مجتمعات مختلفة ويتفاعلون مع لغاتها وثقافاتها ومؤسساتها، لكنهم يحملون معهم عناصر من ذاكرتهم المغربية ويعيدون إنتاجها في فضاءات جديدة. وكذلك الشباب المغربي الذي يعيش في عالم رقمي مفتوح، ويتعامل يومياً مع أفكار وصور وأنماط حياة عابرة للحدود، يحتاج إلى هوية قادرة على الحوار لا إلى هوية خائفة من العالم.
إن قيمة مفهوم «الأصالة والمعاصرة» لا تكمن إذن في الجمع اللفظي بين كلمتين، وإنما في تحويلهما إلى رؤية متكاملة للإنسان والمجتمع والدولة. فالأصالة تمنح الجذور والمرجعية، والمعاصرة تمنح أدوات التعامل مع الزمن، أما تمغربيت فتمنح هذا التفاعل خصوصيته واتجاهه. ولذلك يمكن أن يكون النقاش حول «الأصالة والمعاصرة» مناسبة لإعادة طرح سؤال المشروع المجتمعي المغربي بعيداً عن التجاذبات الحزبية الضيقة: أي مغرب نريد أن نبني؟ وكيف نريد أن ندخل المستقبل من دون أن نفقد ذاكرتنا؟ وكيف نحول تعدد روافدنا التاريخية إلى قوة لبناء مجتمع أكثر انفتاحاً وقدرة على الابتكار؟
لقد أثبت التاريخ المغربي أن الهوية لم تكن يوماً جداراً يفصل المغرب عن العالم، بل كانت إطاراً لاستيعاب المؤثرات وإعادة صياغتها. ومن هذه الزاوية، فإن تمغربيت ليست ضد المعاصرة، كما أنها ليست مجرد مرادف للأصالة؛ إنها المجال الذي يمكن أن تلتقي فيه الأصالة والمعاصرة داخل تجربة مغربية خاصة. وإذا كان لكل مجتمع أن يصوغ طريقته في دخول المستقبل، فإن الرهان بالنسبة إلى المغرب قد يكون في أن يدخل هذا المستقبل بذاكرته، وثقته في ذاته، وانفتاحه على الآخر، وقدرته على تحويل خصوصيته إلى طاقة للإبداع والتجدد.

