في واحدة من أكثر الصور قسوة وإيلاماً، تحولت فاجعة انهيار الدور بحي … بمدينة فاس، والتي راح ضحيتها أزيد من 20 شخصاً رحمهم الله، إلى مشهد آخر موازٍ لا يقل صدمة. فبينما كانت جرافات الإنقاذ (الطراكس) تواصل عملها في رفع الأنقاض بحثاً عن ضحايا جدد أو محاولة تمهيد الطريق لفرق الوقاية المدنية، كان أطفال وشباب ورجال يتسابقون خلف الآليات نفسها… ليس بدافع التضامن أو المساعدة، بل طمعاً في جمع الحديد والمتلاشيات.
مصيبة قوم في ميزان قوم آخرين… تجارة تبدأ من تحت الأنقاض.
هذا الحي معروف منذ سنوات بنشاط “لافيراي” وبيع المتلاشيات، حيث يحفظ العاملون في هذا المجال جيداً أسعار النحاس، الحديد، الألمنيوم وكل ما يمكن إعادة تدويره. يعرفون قيمتها، وزنها، وأين تباع. لذلك لم يفوت البعض فرصة الكارثة، فبين صراخ العائلات المكلومة وحزن المدينة، كانت أيادي أخرى تبحث وسط الركام عن ما يمكن بيعه.
جرافة ترفع بقايا منزل منهار،
و”صيادو المتلاشيات” يتسابقون وراءها، يلتقطون كل قطعة حديد أو سلك نحاسي.
حتى الأطفال كانوا وسط الأنقاض، غير آبهين بخطر الانهيارات أو حدة المسامير والزجاج، الجميع يبحث عن “رزق” يظن أنه سقط من السماء.
ورغم أن الحاجة والفقر واقعان لا يمكن إنكارهما، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح:
هل وصل بنا الحال إلى أن تتحول الكوارث الإنسانية إلى فرص اقتصادية؟
هل أصبح موت الناس مناسبة لتجارة عابرة؟
وأين هي السلطات التي كان عليها ضبط محيط المنطقة حفاظاً على حرمة الفاجعة أولاً، وسلامة هؤلاء ثانياً؟
إن ما جرى في ذلك الحي المنكوب بفاس يكشف بوضوح هشاشةً اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة. فحين يجد الناس في ركام الموت فرصة للربح، فهنا لا نتحدث فقط عن كارثة عمرانية، بل نتحدث عن كارثة إنسانية أعمق… عن مجتمع فقد بوصلته، وعمّا يمكن أن تخلقه الحاجة حين تقسو على الناس.
ختاماً، تبقى فاجعة فاس درساً مؤلماً:
فالبيوت تُهدم مرة… لكن القيم تُهدم ألف مرة.

