في خطوة مفاجئة تعكس تحولًا جذريًا في السياسة الأميركية تجاه سوريا، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الاثنين، إلغاء تصنيف “هيئة تحرير الشام” – المعروفة سابقًا بـ”جبهة النصرة” – من قائمة “المنظمات الإرهابية الأجنبية”، وذلك بموجب مذكرة رسمية صادرة عن الوزير ماركو روبيو، وُقّعت في 23 يونيو الجاري.
وجاء في المذكرة التي تم تعميمها على الوزارات المعنية أن القرار اتُّخذ “بعد التشاور مع وزيري العدل والخزانة”، على أن يدخل حيز التنفيذ الرسمي بدءًا من يوم الثلاثاء. وأشار الوزير روبيو إلى أن هذه الخطوة “تأتي تماشيًا مع الإعلان عن حل هيئة تحرير الشام، والتزام الحكومة السورية الجديدة بمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله”.
ويُعد القرار جزءًا من سلسلة إجراءات أميركية تهدف إلى رفع العقوبات المفروضة على سوريا تدريجيًا، خاصة بعد التطورات السياسية الأخيرة التي شهدتها البلاد.
نهاية حكم الأسد وصعود الشرع
وتأتي هذه التحولات في أعقاب الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر الماضي، على يد تحالف عسكري قادته هيئة تحرير الشام تحت زعامة أحمد الشرع، ما أنهى ما يقرب من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد. ويتولى الشرع حاليًا منصب الرئيس الانتقالي للبلاد، ضمن مرحلة انتقالية تستمر خمس سنوات وفق دستور مؤقت.
وقد لاقت الحكومة الجديدة ترحيبًا حذرًا من قبل الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، فيما تسعى إسرائيل بدورها إلى تطبيع العلاقات مع النظام السوري الجديد.
وفي تطور لافت، أعلنت واشنطن الأسبوع الماضي عن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا بشكل رسمي، ضمن مساعي إعادة دمج البلاد في النظام الاقتصادي العالمي، وذلك بعد أن سبق للرئيس السابق دونالد ترامب أن أعرب في مايو عن نيته إلغاء العقوبات استجابةً لضغوط من السعودية وتركيا.
تحولات جذرية في الموقف الغربي
بالتزامن مع الخطوات الأميركية، أعادت بريطانيا السبت علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا، للمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات، كما رفعت العقوبات المفروضة على وزارتي الداخلية والدفاع، وعدد من المؤسسات الإعلامية والأجهزة الأمنية والقطاعات الاقتصادية السورية.
وبحسب مراقبين، فإن هذا الانفتاح الدولي يأتي في وقت تسعى فيه القيادة السورية الجديدة إلى إطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وإنعاش الاقتصاد الوطني الذي دمرته الحرب والعقوبات.
تحول مثير للجدل في صورة “الشرع”
ويُعتبر التحول في صورة أحمد الشرع لافتًا، إذ انتقل خلال ستة أشهر فقط من كونه زعيمًا لجماعة كانت تُصنف إرهابية إلى رئيس دولة يستقبل الدعم من قادة العالم. وكانت الولايات المتحدة قد ألغت مكافأة مالية كانت مرصودة سابقًا لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله.
وكانت “هيئة تحرير الشام” تُعرف سابقًا باسم “جبهة النصرة”، ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، قبل أن تعلن فك ارتباطها به عام 2016، في محاولة لإعادة صياغة صورتها السياسية. وسيطرت الجماعة، ابتداء من عام 2017، على أجزاء واسعة من محافظة إدلب شمال غربي البلاد، حيث أنشأت إدارة مدنية وواجهت اتهامات دولية بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المعارضين.
استعداد للتهدئة مع إسرائيل
في سياق متصل، أعلنت الحكومة السورية الجمعة استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة للعودة إلى اتفاق فض الاشتباك مع إسرائيل الموقع عام 1974، في إشارة واضحة إلى رغبة القيادة الجديدة في الانخراط في ترتيبات إقليمية تهدف إلى تحقيق الاستقرار.
وتأتي هذه التطورات بعد أكثر من 13 عامًا من النزاع السوري، الذي بدأ في 2011 ضمن موجة احتجاجات الربيع العربي، وانتهى بإسقاط نظام الأسد وصعود قيادة جديدة تحاول، بحسب المراقبين، قلب صفحة الحرب والدخول في عهد جديد من الانفتاح الدولي.





