النعمان اليعلاوي
لقد تضمن الدستور المغربي للسنة 2011 العديد من المكتسبات لاسيما في الباب الثاني من الدستور والمتعلق بالحريات والحقوق الأساسية، وخاصة ما يتعلق بالحق في حماية الحياة الخاصة لكل شخص وعدم انتهاك سرية اتصالاته الشخصية وكفالة حرية الرأي والتعبير بكل أشكالها واقرار الحق في الحصول على المعلومات وضمان حرية الصحافة وعدم تقييدها بأي شكل من الاشكال، غير أنه في المقابل، يظهر أن التنزيل الدستوري لهذه المقتضيات لازال في بداياته، وقد تصطدم بعدد من المعيقات التي تعبر عن التوجه العام الماضي في التوجس من إطلاق العنان وفتح المجال بشكل أوسع لحرية الرأي والتعبير كما تعبر على مؤشرات ربما تدل على التوجه نحو تقييد هذا الحق على نحو قد ينعكس سلبا على حرية التعبير.
وباستحضار المبادئ العالمية المؤسسة لحرية الرأي والتعبير وحرية الإعلام والحق في الإعلام والحق في المعلومة، نجدها تنهل بالأساس من المرجعية الدولية المرتبطة بالفصل19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يؤكد على أن لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق: حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والافكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة ودون اعتبار للحدود ويجد هذا الحق مرجعيته في بعض القوانين الوطنية القديمة بالخصوص تلك التي صدرت في القرن18 وبداية القرن العشرين مثل القانون السويدي لعام1766.
السر المهني..هالة الإدارة
لقد شكل السر المهني لسنين عديدة حاجزا نفسيا قبل أن يكون إجرائيا أمام الموظف في سبيل ممارسة حقه في التعبير، وفي هذا السياق، قال الدكتور عبد الله شنفار إنه ” وحتى يبقى لها وجود في نظر موظفيها، تتدرع العقليات الإدارية بالسر المهني والإداري، بحيث كيف يمكن تصور السرية في كيفية صرف ميزانية الدولة او الجماعة أو الاستفسار عن طرق التسيير أو المخططات او الصفقات العمومية…؟”، مضيفا أنه “صحيح أن الإفصاح عن بعض الخيارات أو المشاريع يمكن ان يخلق عرقلة، قبل الشروع في تنفيذها، كالتقسيم الإداري وترقية جماعة إلى بلدية، حيث المضاربات العقارية التي لا تضيف شيئا للاقتصاد الوطني، لكن ما معنى كتمان طرق العمل والإجراءات الإدارية وعدم علم العموم بها؟، وفي ظل هذه الوضعية يصادر حتى حق الرئيس او المدير في معرفة ما يجري بمرفقه ففي إطار التواطؤ وظروف وملابسات يتم التستر وعدم الكشف وإخفاء العديد من المشاكل التي تجري داخل مرفقه، والتي لو كشفت ستؤدي إلى تهديد مصالحها وتوجهاتها، في الوقت الذي كان يمكن ان تدرس وتحلل وتقترح الحلول الناجعة لها بكل بساطة”.
وأكد الدكتور المتخصص في الشأن الإداري أن “سلوك العقليات هذا ادى إلى انفصام عن قضايا المجتمع الإداري، الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والاخلاقي والقول بالمجتمع الإداري جاء فقط نظرا لكثرته وتشعبه وصورية فهمه واستيعابه مما أدى إلى انغلاقه في وجه الباحث، مبرزا أن “غياب التواصل مع الإدارات، على اعتبار أن المعلومات تدخل في إطار الاسرار المهنية، كما أن النظر إلى البحث الجامعي لفائدة الإدارة بمنظور انتهازي، وعلى أنه يبقى مجرد عملية استشارية، بالإضافة إلى غياب برامج إدارية لتكوين الأطر والتكوين المستمر.
وهكذا خلقت الإدارة هالة حول نفسها تحت غطاء السر المهني فسار العمل والنشاط الإداريين بعيدين كل البعد عن الشفافية والمصداقية، في فترة زمنية معينة”.
بين السر المهني والحق في الحصول على المعلومة
يرى الأستاذ محمد الزكراوي، المتخصص في القانون الإداري، أن دستور 2011 نص في الفصل 27 على أن للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. وأنه لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهذف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور وحماية مصادر المعلومة والمجالات التي يحددها القانون بدقة” وعليه فالأصل في أعمال الدولة العلانية والسرية استثناء، لأن المبدأ العام الحاكم في أعمال هذه السلطات هو خضوعها للعلانية، وأن الاستثناء إخضاع بعضها للسرية، ذلك حسب الزكراوي فان “الدستور لم يقصر مبدأ إتاحة المعلومات على السلطة التنفيذية، فهو مبدأ عام تخضع له كل سلطات الدولة، وجعل الدستور العلانية هي الأصل في أعمال السلطتين التشريعية والقضائية من أجل إشراك المواطنين أصحاب السيادة في الشأن العام”.
ومن هذا المنطلق، يعتبر الزكراوي أنه “اذا كان الدستور قد فوض، المشرع بإصدار قانون يبين فيه ضوابط الحصول على وإتاحة /سرية المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق، ووضع قواعد لإيداعها وحفظها، والتظلم من رفض الحصول عليها، وإنزال عقوبة على حجب المعلومات، أو تعمد إعطاء معلومات مغلوطة، فهل ذلك يعني امكانية تسريب جميع تلكم البيانات و الوثائق والمستندات بشكل عام لفائذة الاغيار،”، مبرزا أن ” إساءة استخدام قانون الحق في الحصول على المعلومة وفي ظل غياب شروط و معايير واضحة لطلب المعلومات ادى الى الاساءة في استخدام المعلومات لأغراض غير قانونية أو غير أخلاقية، مثل الابتزاز أو التجريح أو نشرها بطريقة تسبب الضرر لأفراد أو جماعات أو دول أو إعطاء معلومات حساسة لجهات خارجية، مما يطرح لنا اشكالية عويصة في تحديد حدود وتقاطع كل من الحق في الحصول عن المعلومة وواجب كثمان السر المهني وعدم افشاءه” .
مقترح لتخفيف الحمل عن الموظف
وكان فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب سنة 2022، قد تقدم بمقترح قانون جديد يتعلق بتتميم الفصل الثامن عشر من الظهير الشريف رقم 1.58.008، بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، كما وقع تغييره وتتميمه.
ويهدف هذا المقترح إلى ملاءمة النظام الأساسي للوظيفة العمومية مع مقتضيات القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، ضمانا للانسجام القانوني، وينص هذا المقترح على أنه “بقطع النظر عن القواعد المقررة في القانون الجنائي في ما يخص السر المهني، فإن كل موظف يكون ملزما بكتم سر المهنة في كل ما يخص الأعمال والأخبار التي يعلمها أثناء تأدية مهامه بمناسبة مزاولتها، مع مراعاة مقتضيات القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات”.
وقد نص المقترح أنه “لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة”، ولفتت المذكرة ذاتها إلى أنه من أجل تفعيل هذا المقتضى الدستوري جاء القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، حيث تضمن مجموعة من المواد التي تلزم مجموعة من المؤسسات والهيئات، وعلى رأسها الإدارات العمومية، ضمن قائمة المؤسسات المعنية بهذا الحق.
كما أن القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات نص بموجب المادة 12 منه على أنه “على كل مؤسسة أو هيئة معنية أن تعين شخصا أو أشخاصا مكلفين، تعهد إليهم بمهمة تلقي طلبات الحصول على المعلومات ودراستها وتقديم المعلومات المطلوبة، وكذا المساعدة اللازمة، عند الاقتضاء، لطالب المعلومات في إعداد طلبه”، وبموجب هذا القانون، يعفى الشخص المكلف أو الأشخاص المكلفون من واجب كتمان السر المهني المنصوص عليه في التشريع الجاري به العمل، في حدود المهام المسندة إليهم بموجب هذا القانون، كما يجب على هذه المؤسسة أو الهيئة أن تضع رهن إشارة كل شخص مكلف قاعدة للمعلومات الموجودة في حوزتها، قصد تمكينه من القيام بمهامه وفقا لهذا القانون.

