جورنال 24
الثلاثاء, 15 سبتمبر 2026
إعلانإعلان
إعلان إعلان
إعلانإعلان
إعلان إعلان

موؤدة في قمامة الأهالي

بقلم عبد الله أموش

تعطلت شاحنة النفايات لعطب طارئ، وأجمل به من عطب ينقد الحياة. في تأخر الشاحنة نفع عميم، ولو جاءت لكان في مقدمها والموت الزؤوم. وهناك في ناحية قصية ترقب السيدة “لهيفة”، ذات الشعر الأشقر المتلفعة بكمامة بيضاء، مقدم شاحنة القمامة. استبقتها السيدة “بخيثة”، ذات الشعر المدلي على الكتفين، بسيارة سوداء المربودة على بعد ميل من حاويات القمامة.

على حين غفلة من الناس، حملت السيدة “لهيفة” كيسا في يدها اليمنى وحقبة في يدها اليسرى. انعطفت من طريق منحدرة رماها لتقاطع الطريق الوطنية الواسعة حيث وضعت حاويات القمامة في إحدى جوانبه، عندها توقفت دون التفات للميمنة ولا للميسرة، ورمت بالكيس في الحاوية، وفي سرعة البرق حملتها السيدة “بخيثة” فانطلقتا يسارعن الزمن ويتوارين عن نظرات المحدقين.

إعلان
إعلان

أما شاحنة النفايات فقد صلح عطبها، وأخذت في التحرك رويدا رويدا. وفي تزامن عجيب تحرك فتىً ألِف جمع كسرات الخبز، وفتات الخضر والفواكه، وشي من حديد قليل، أدخل يده في الحاوية فوجد الكيس في القمامة. وفي صدمة أبصر فيه رضيعا لم يمض على وضعه سوى يومين ونيف.

قصد الفتى نسوة على مقربة من نقطة تجميع النفايات، وأخبرهن بالنبأ فما كان من هن إلا أن فررن بجلدهن غير آبهات بالواقع وما وقع، وكلهن يتذكرن ما يروى من وجع الذهاب والإياب إلى مخافر الدرك، وردهات المحاكم، ومقار الشرطة، فأثرن السلامة وراحة البال.

وحدها “رقية”، سيدة عجوز حملت نفسها وارتمت على الكيس غير أبهة بشيء. مدت يدها وفتحت الكيس وفكت الخيط الملفوف على عنق الرضيع، ورائحة مخدرة تزكم الأنف تفوح من الكيس، فجأة سمعت شهقة الحياة تندلف من أنف وفم الرضيعة. لقد رجعت المسكينة للحياة، قال المتحلقون حول الحاوية وشاحنة جمع القمامة.

في تلك اللحظة وفي ذاك المكان تساءلت السيدة “رقية” بينها وبين نفسها: هل يُطرح مثل هذا الجمال الملائكي في مكب النفايات؟ لكنها كانت تزيد من بهارات الطبخة والمرويات التي قصتها على الصحف الرقمية، وما لبث أن انتشر الخبر، وسارعت الصحافة للالتحاق بالمكان، فتقدمت السيدة “فاطنة” المتلفعة بمروطها، فأخذت الرضيعة في لهفة وأرضعتها حليب الأم الحنون، فانتعشت الرضيعة ورجعت لها الحياة بعد أن عاشت قسوة الظروف.

تحلق الناس عندما وصلت شاحنة النفايات، ومن جميل الأقدار عطب الشاحنة، فلو وصلت في موعدها لأدخلت الرضيعة في بساط النفايات وفي عداد الأموات.

لقد هربت الأم غير آبهة بشي، وأثرت السلامة على مواجهة الحياة وأسئلة المجتمع، وذهبت في السيارة وهي تمخر عباب الطريق وتطوي المسافات، فجأة التقطتها الكاميرا والعين التي في الطريق. وفي اتساق الأحداث وصلت عناصر الدرك الملكي بعد أن بلغهم الخبر، وباشروا سؤال هذا وذاك، فجأة قص عليهم “فادي” حارس أمن ناحية من نواحي الإقامة، خفايا ما وري عن الأهالي، فالكيس مر أمام عينه والحقيبة كذلك.

شرع “فادي” ف وصف “لهيفة” و”بخيثة” والسيارة والكيس وطال الحديث في أدق التفاصيل التي تطرب عناصر الشرطة في سماعها للتمكن من ساحة مسرح الجريمة. بعدها تحركت سيارة الدرك وهي تحمل الرضيعة للكشف عن حالها وإيداعها في محل لفاقدي الهوية، وهي التي رُميت بدون اسم وخنقت بدون شفقة ووئدت في قمامة الأهالي النتنة.

أمسى الحدث حديث القاصي والداني وزاد في إيقاعه نقله على مواقع الانترنيت المقتفية لأخبار، وشاع في وسائل التواصل الاجتماعي وعاء أحاديث الصدق والكذب والنميمة. مضى الشطر الأول من الليل أو يزيد، بعد أن انقض الناس، فعاد العرفاء إلى قرب المكان ونطلق مسار النقاش والتحليل والاحتمالات، فقصد البعض “فادي” عله يتذكر شاردة أو واردة لم يقصها على عناصر الدرك، غير أن القضية لازالت مفتوحة والجاني لم يسقط في يد الشرطة والدرك كي يعلم النبأ اليقين.

التعليقات

0

أضف تعليقاً

الحروف المتبقية - 1000 / 1000
شروط النشر:
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي جورنال24. نرجو الالتزام بآداب الحوار وتجنب التجريح والسب والقذف.