
الكارح أبو سالم : كاتب صحفي
نظم كما هو معلوم وزير الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، إلى جانب نظيره الفرنسي ستيفان سيجوري، بداية الأسبوع الجاري ما سمي بالندوة الصحفية، حيث دعت لها وزارة الخارجية ممثلي المواقع والقنوات الإعلامية للحضور على الساعة التاسعة صباحا، وظل الجميع في الانتظار رغم الالتزامات زهاء الساعتين إلى حدود الحادية عشرة موعد انطلاق الندوة الصحفية .
أهمية هدا اللقاء ، تكمن في إنتظارات المغاربة قاطبة من العلاقات التقليدية بين الرباط وباريس، إنطلاقا من الموقف الرسمي للجمهورية الفرنسية من قضية الصحراء المغربية ، وصولا إلى الترقب المتعلق بالتغلب على التوتر السياسي والدبلوماسي الحاصل منذ مدة، وطريقة معالجة طلبات التأشيرات المقدمة إلى القنصليات الفرنسية للراغبين في السفر، الأمر الذي فاجأ اللوبي الفرانكفوني بالمغرب نفسه ، فتأكد الجميع أن البلدين يعيشان أزمة حادة لها أسبابها وخلفياتها المتراكمة ، وبالتالي اعتقدوا أن زيارة ” ستيفان وزير الخارجية الفرنسية للمغرب ستذيب الجليد الرابض على أرض هذه العلاقات ، وهو الأمر الذي لم يرى النور البتة وفق ما تمخضت عنه الندوة الفاشلة .
لعل الخطى الحثيثة التي أشرف على تنزيلها ناصر بوريطة ، تبعا للتوجيهات الملكية في العديد من المحطات الدبلوماسية اتجاه أحداث وطنية ودولية وبخطى سريعة كانت من المستوى الرفيع ، مكنته من نيل التنويهات الملائمة في حينه لما تم إنجازه لا ينكرها إلا جاحد ، لكن استمرار نثر الورود حتى فيما هو نشاز يظل أمرا غير مقبول، ويتطلب من المحللين والإعلاميين والمهتمين من المجتمع المدني والمنظمات التي تعني بالشأن الدبلوماسي أن ترقى بالنقاش العمومي ، وتعمل على تخطي أسطوانات التغني بمجهودات الخارجية المغربية في كل لحظة وحين بعلة نصرة المواقف الرسمية للدولة ، والانتقال نحو السمو بالتحاليل والتعليقات إلى الانتقاد العميق للبعد الإستراتيجي لبعض القضايا خدمة للوطن وللطموح الملكي السديد ، لكون الانتقاد الجاد الموضوعي هو الآخر لا يخرج نهائيا عن سياق خدمة الوطن .
إن ماحدث بالندوة المسماة ” صحفية ” خلقت سجالا في الكواليس لم يفصح عنه معظم الصحافيين الذين حضروا الندوة خدمة طبعا للموقف الرسمي ، والذين لم يسمح لهم بإلقاء الأسئلة الجوهرية، لإعطاء اللقاء نكهة الندوة الفعلية ، فقد ارتكب بوريطة خطأ فادحا حين انطلق في إلقاء كلمته باللغة العربية وهو أمر محمود في بلد دستوره يشير إلى أن اللغة الرسمية هي العربية ، ثم تحول إلى استكمال مداخلته باللغة الفرنسية، وهو الخطأ المتكرر كلما تعلق الأمر باستقبال الأجانب ، فلم يا ترى يلجأ السيد بوريطة إلى تسهيل مأمورية التواصل مع أبناء نابليون بلغتهم دون لغتنا ولو أننا في قعر دارنا كما يفعلون هم ؟ إننا على يقين لو تم استقبال بوريطة بباريس لن يسمع أثناء تبادل الكلمات إلا لغة موليير.
إن زيارة وزير الخارجية الفرنسية الفاشلة للمغرب كانت ذات طابع اقتصادي أكثر منه سياسي ،حسب مإستيقيناه من مداخلته المقتضبة والتي لم تأتي بأي جديد يخدم التطلعات المنتظرة للإسراع بإنعاش العلاقات ، فهل يعقل أن يبشر المغاربة بتأسيس مركز ثقافي و مدرستين تعنى باللغة الفرنسية لساكنة الصحراء المغربية ؟ وهل المغاربة لازالت أعنقهم مشرئبة لرحمة الفرانكفونية صاحبة حق الفيتو الذي تتبجح به في ظل التوجه الأنجلوسكسوني الحديث للدولة المغربية ؟ أم أن الجمهورية الفرنسية وبعد فشل مناوراتها تجييش الإتحاد الأوربي ضد المغرب تارة ، ومناوراتها الفاشلة مع عجزة جنرالات الجزائر تارة أخرى جعلتها تشرع في وضع أجندا بديلة لإستمالة المملكة ، وهو ما لن يتأتى نهائيا في ظل القوة التي أبان عنها المغرب عقب تحالفاته الأخيرة مع بعض الدول العظمى .

لقاء الاثنين ، أبان على أن التقارب المنشود ، هو تقارب أجوف لن يأتي أكله بتاتا بعد أن صمد المغاربة في وجه فرنسا وصبروا على اعتداءاتها على حقوقهم في التنقل والتطبيب والدراسة والسياحة وحضور الندوات العلمية ، طيلة هذه السنوات ، فكيف لهذا اللقاء المسمى ندوة صحفية ، أو الزيارة الرسمية الفارغة أن تمسح بسرعة العار ؟
إن مبعوث ” ماكرون ” أتى محملا بإستراتيجية مكشوفة ، هدفه الأسمى إرجاع تبعية المغرب إلى ما كانت عليه خلال العهود السابقة سيما عندما بشر” ستيفان ” بوريطة في كلمته بأن المغرب بإمكانه الاعتماد على فرنسا ، ظنا منه أن المملكة لازالت متمسكة بما مضى من المصالح ، فلماذا لم يرد عليه بوريطة أن فرنسا بإمكانها الاعتماد على المغرب خصوصا بعد أن أصبح معادلة ملموسة بالقارة ودول الساحل التي يعتمد عليها الفرنسيون الناهبون لخيراتها منذ أمد بعيد ؟
أما قضية الصحراء المغربية ، والتي يتلاعب بها الفرنسيون كون موقفهم منها تاريخي ولا يتغير عندما يلتقون باللقاءات الرسمية داخل المغرب دون الإفصاح الجدي عنها ، ثم تتغير اللهجة كونهم مع موقف الأمم المتحدة والمنتظم الدولي فيما سيذهب إليه من قرارات ، فهي قضية كما أشار إلى ذلك ملك البلاد محمد السادس نصره الله بمثابة “النظارة التي ينظر بها المغرب الى العالم ومعيار قياس الصداقات ونجاعة الشراكات “لنتساءل ما السبب الذي جعل الجمهورية الفرنسية لحد الساعة لم تفتح قنصلية لها بالصحراء المغربية ؟هنا بيت القصيد وهنا اللقاءات وهنا الندوات الصحفية الحقيقية ، دون أن نغفل نداء ” هوبيرت سيلان ” رئيس مؤسسة فرنسا المغرب ، وجهه إلى ماكرون قبل ثلاث سنوات خلت بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء عندما قال ” لا ينبغي أن تظل فرنسا على هامش الدينامية الدولية ” وبالتالي لا يمكننا الخروج عن سياق أن فرنسا لازالت بعيدة كل البعد عن المبتغى المغربي الواضح اتجاه صحرائه، وأن الأقوال الفرنسية لا تترجمها أفعالها ، فغدا سيرتفع منسوب مطالب المغاربة من فرنسا لمغادرتها والاعتراف بالصحراء الشرقية ، وتقديم اعتذار رسمي عما بدر منها سنوات الاستبداد والاستغلال والاستعمار أولا وبعد ذلك ستدرس المملكة المغربية طلبها فتح قنصلية من عدمه بالصحراء المغربية ، وإلا ستنتقل المطالب إلى القطع الشامل للعلاقات مع دولة لازالت ترى في المغرب محمية لها
الندوة غير الصحفية ، بكل اختصار فاشلة بشعار ” تمخض الجبل فولد فأرا ” وليسمح لنا السيد الوزير لننوب عنه ونوجه اعتذارنا الكبير للصحافيين الذين تكبدوا عناء التنقل والجوع والعطش ورفعوا أيديهم لطرح سؤال فرمقتهم أعين ناصر بوريطة ولم يعرهم أي اهتمام وسارع لجمع أوراقه وتوجيه إيماءة برأسه لضيفه لمغادرة القاعة بسرعة ، فهل هدا اللقاء الذي يخلو من أسئلة السادة الصحفيين المتمكنين أكثر من ” ستيفان ” في موضوع علاقات البلدين يرقى إلى مستوى ندوة صحفية ينتظر فحواها شعب بأكمله ؟ وما الفرق بين الندوات الصحفية التي نظمها وزراء الخارجية الذين سبقوا بوريطة – علما أنه أشتغل إلى جانبهم – والتي كانت تزخر بالنقاش والأسئلة مع شخصيات جد وازنة أكثر من ضيفنا الفرنسي وفي أحداث دولية هامة تمكن الصحافيون خلالها من نقل أوجه القوة الدبلوماسية المغربية للخصوم وللعالم بشكل خدم الدبلوماسية الموازية في أبهى تجلياتها ، نعم للجهود المميزة التي يبذلها سي ناصر ، ولا للكيفية التي يدير بها ندواته الصحفية وأسلوب التعامل مع كرامة الصحفيين والصحافيات ، وإلى ندوة قادمة .

