Journal24
شريط الاخبار

عثمان عوي يكتب..حين ينتصر القميص الوطني..

المغرب البرازيل
Journal24

كلما نزل لاعبو المنتخب المغربي إلى أرضية الملعب، يتجدد سؤال أكبر من كرة القدم نفسها: من أين يأتي كل هذا الإصرار؟
من أين يأتي ذلك اللاعب الذي يواصل الركض وهو يحس أن عضلته تكاد تتمزق؟ والذي ينهض بعد كل سقوط وكأن الألم لم يمر من جسده؟ والذي يكمل المباراة وقميصه ممزق، ورأسه ينزف، وقدماه تحملان آثار معركة حقيقية؟
ليس لأن المباراة مجرد تسعين دقيقة، وليس لأن المكافأة المالية أكبر…
بل لأن القميص الذي يرتديه لم يعد قطعة قماش، بل أصبح وطناً كاملاً.
عندما يرتدي اللاعب الأحمر الذي تتوسطه النجمة الخضراء، لا يعود يمثل نفسه، ولا فريقه، ولا مدينته، بل يحمل على كتفيه تاريخ أمة، وآمال شعب، ودعوات أمهات، ودموع أطفال، وانتظار ملايين المغاربة الذين يرون في كل انتصار صورةً جميلة لوطن يستحق أن يكون كبيراً.
لكن، ماذا لو خرج هذا القميص من الملعب؟
ماذا لو ارتداه المسؤول وهو يدخل مكتبه؟
والموظف وهو يؤدي وظيفته؟
ماذا لو لبسه المهندس وهو يخطط للطريق؟
والأستاذ وهو يدخل القسم؟
والطبيب وهو يستقبل المرضى؟
والقاضي وهو ينطق بالحكم؟
والبرلماني وهو يرفع يده للتصويت؟
ورئيس الجماعة وهو يوقع على مشروع تنموي؟
وصاحب الشركة والمقاولة، وكل مواطن في موقعه؟
ماذا لو شعر كل واحد منا بأنه يحمل الوطن على كتفيه كما يحمله اللاعب داخل المستطيل الأخضر؟ هل كنا سنسمع كل هذا الضجيج حول الفساد والصفقات المشبوهة والتبذير وسوء التدبير؟
إن اللاعب لا يبحث عن التعادل مع نفسه، بل يدخل المباراة ليقاتل من أجل الانتصار.
أما في كثير من مؤسساتنا، فيبدو أن بعض المسؤولين دخلوا المباراة وهم راضون بالهزيمة، أو أسوأ من ذلك، يبحثون عن انتصارهم الشخصي ولو خسر الوطن.
في الملعب، يسيل العرق والدم من أجل رفع راية المغرب، وفي أماكن أخرى، تسيل الأموال العامة دون أن يتحرك ضمير، وتُهدر الفرص، وتُبدد الإمكانات، وكأن الوطن حساب خاص يمكن السحب منه بلا رقيب.
أي دماء تجري في عروق لاعب يقاتل حتى آخر ثانية من أجل أن يبقى العلم المغربي مرفوعاً؟
وأي دماء تجري في عروق من يبدد المال العام، أو يعطل مشروعاً، أو يؤخر تنمية، أو يبيع ضميره في صفقة عابرة ويتفنن بعد ذلك في تلميع صورته رغم بشاعتها وبدون استحياء؟
أي مدرسة صنعت لنا رجالاً يبكون بعد الهزيمة لأنهم شعروا أنهم خذلوا الوطن؟
وأي مدرسة أخرى صنعت من لا يخجل وهو يرى الوطن يخسر كل يوم، بل يعرف أنه السبب في ذلك ثم يغادر مكتبه مطمئن البال؟
في المدرجات، يقف ملايين المغاربة على قلب رجل واحد، لا يسألون اللاعب عن حزبه ولا عن قبيلته ولا عن لغته ولا عن أصوله ولا عن مدينته.
يكفي أنه يرتدي قميص المغرب.
فلماذا يتوحد الوطن داخل الملعب، ويتفرق خارجه؟
لماذا يصبح الانتماء في الرياضة فعلاً يومياً، بينما يتحول في بعض مواقع المسؤولية إلى مجرد خطاب رسمي؟
المنتخب الوطني لم يصنع المعجزات لأنه يملك أفضل لاعبي العالم فقط، بل لأنه امتلك ثقافة جديدة؛ ثقافة القتال الشريف، والانضباط، والعمل الجماعي، والإيمان بأن لا أحد ينتصر وحده، إنها تمغرابيت يا سادة ….
وهل تحتاج التنمية إلى أكثر من ذلك:
أليست الإدارة فريقاً؟
أليست المدرسة فريقاً؟
أليست الجماعة الترابية فريقاً؟
وأليست الحكومة فريقاً؟
كل انتصار كروي يذكرنا بحقيقة مؤلمة:
إن المغرب لا تنقصه الكفاءات…
ولا تنقصه الطاقات…
ولا تنقصه الإرادة عندما يكون الهدف واضحاً.
ما ينقصنا أحياناً هو أن نرتدي الوطن كما يرتديه اللاعب.
أن ندخل مكاتبنا بالعقلية نفسها التي يدخل بها اللاعب أرضية الملعب.
أن نعتبر كل توقيع تمريرة.
وكل مشروع هجمة.
وكل نجاح هدفاً.
وكل تقصير هدفاً في مرمانا.
يوم يصبح المسؤول يخجل من إضاعة فرصة تنموية كما يخجل المهاجم من إضاعة هدف محقق، ويوم يتألم الموظف من تأخر خدمة المواطن كما يتألم اللاعب من الخسارة…
ويوم يصبح شرف خدمة الوطن أغلى من كل الامتيازات…
عندها فقط، لن يكون المنتخب الوطني هو الاستثناء.
بل سيصبح صورةً صادقة لمغربٍ بأكمله.
حينها، لن تهاب العالم أقدام لاعبينا وحدها…
بل سيهاب العالم دولةً كاملةً تعلمت من أبنائها أن الانتصارات لا تُصنع بالشعارات، وإنما تُصنع بالعرق، والانضباط، والتضحية، والإخلاص لقميص واحد…
وهل من الصعب أن نكون أسودا في كل شيء….؟

Journal24
Journal24
شارك المقال شارك غرد إرسال
Journal24