تعكس هذه الصورة جانباً من اللقاءات التشاورية المركزية التي تحتضنها ولاية طنجة، في إطار الإعداد للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.
وهي لقاءات تأتي تنزيلاً للتوجيهات الملكية السامية، الرامية إلى تعزيز الالتقائية وتكريس فعالية أكبر في تدبير المشاريع التنموية على مستوى العمالة والجهة.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه والي جهة طنجة تطوان الحسيمة على ضرورة تفعيل مراسلة وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، انسجاماً مع الرؤية الملكية الداعية إلى اعتماد مقاربة تشاركية شمولية، يبرز مشهد مثير للانتباه: عدد من رؤساء الجماعات منهمكون في استخدام هواتفهم المحمولة خلال الاجتماع.

هذا السلوك يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مستوى الانخراط الحقيقي في ورش يعتبر من أهم المحطات التأسيسية للمرحلة المقبلة. فالتنمية الترابية المندمجة ليست مجرد وثائق أو إجراءات تقنية، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تركيزاً كاملاً وإصغاءً دقيقاً لاستيعاب المعطيات وبناء رؤية موحدة، بعيداً عن كل المشتتات.
الانشغال بالهاتف في اجتماع يناقش أولويات تنموية ستكون لها آثار على السنوات المقبلة، قد يبدو للبعض مجرد تفصيل بسيط، لكنه يُفهم عند المتابعين والفاعلين على أنه استخفاف بجدية الورش، وتراجع عن روح المقاربة التشاركية التي تُعد إحدى ركائز هذا المسار.
فالحضور الحقيقي للمنتخبين لا يُقاس بعدد الكراسي المشغولة، بل بمستوى التفاعل، والإسهام في النقاش، والقدرة على الإصغاء لآراء الفاعلين وتوثيق الملاحظات. ذلك أن التنمية لا تُبنى بالهواتف، بل بالعقول المنصتة والإرادات الصادقة.

ولعل الصورة تصبح أوضح حين نتخيل ورشة تشاورية داخل جماعة ترابية يُنتظر منها إعداد برنامج عملها، بينما ينشغل بعض ممثلي المجتمع المدني بهواتفهم ما يُفهم منه غياب الاهتمام. فكيف يكون الحال عندما يصدر هذا السلوك عن رؤساء جماعات يُفترض أنهم في قلب اتخاذ القرار؟
إن اللحظة التشاورية، حين تتحول إلى حضور شكلي، تفقد قيمتها كفضاء للتفكير الجماعي، في مقابل آخرين يستلّون أقلامهم لتدوين كل التفاصيل، إيماناً بأن التنمية الحقيقية تُصنع بالدقة والإنصات لا بالانتظار السلبي لنهاية اللقاء.
مشهد يلخص بوضوح الفرق بين من يعتبر نفسه في خدمة الصالح العام، ومن يتعامل مع حضوره باعتباره مجرد إجراء بروتوكولياً. فالتنمية الترابية لا تحتاج إلى حضور الأجساد، بل إلى حضور العقول والإرادة والمسؤولية.




