شريط الاخبار

نفق أوريكا… مشروع استراتيجي عالق بين الطموح الشعبي والفشل الحكومي

تيشكا نفق

لم تعد تصريحات وزير التجهيز والماء أمام مجلس النواب مجرد توضيحات تقنية عابرة، بل تحولت إلى إقرار سياسي صريح بفشل حكومي ذريع في تدبير أحد أكثر المشاريع البنيوية حساسية واستراتيجية مشروع نفق أوريكا، الذي كان يُفترض أن يشكّل رافعة حقيقية لفك العزلة عن الجنوب الشرقي وربط مراكش بورزازات في ظروف آمنة ودائمة.

فالوزير، دون مواربة، اعترف بأن المشروع لم يغادر بعد مربع الدراسات الجيولوجية الأولية، بسبب “تعقيدات طبيعة الأطلس الكبير”. اعتراف يعني عملياً أن سنوات من الترويج السياسي، والوعود الحكومية، والبرمجة الورقية، لم تُفضِ إلى أي تقدم ميداني يُذكر. مشروع ضخم أُعلن عنه منذ أكثر من عقد، لا يزال اليوم عالقاً في مرحلة ما قبل القرار، بلا أفق زمني، وبلا تصور عملي واضح.

الأخطر من ذلك أن هذا التعثر لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة سلسلة إخفاقات متراكمة. عقدان حكوميان متتاليان أُسندا إلى شركات مختصة دون أن ينتج عنهما أي مخرج تقني قابل للتنفيذ، أما العقد الأخير، الممنوح سنة 2023 لتحالف مغربي–تركي بكلفة تناهز 32 مليون درهم، فقد انتهى إلى الفسخ بعد الفشل في إنجاز دراسات جيوتقنية أساسية، أي أن الدولة أنفقت ملايين الدراهم من المال العام دون أن تحصل حتى على خريطة طريق تقنية واضحة. هذا ليس “تعقيداً جيولوجياً” فحسب، بل خلل بنيوي في الحكامة، وسوء تقدير للمخاطر، وغياب للمساءلة.

ورغم كل ذلك، تصر الحكومة على اعتبار نفق أوريكا “الخيار المفضل”، رغم كلفته الخيالية التي تُقدَّر بحوالي 10 مليارات درهم، وطوله الذي يقارب 10 كيلومترات، إضافة إلى 80 كيلومتراً من الطرق المؤدية، وعشر منشآت هندسية كبرى. إصرار يبدو أقرب إلى العناد السياسي منه إلى القرار الرشيد، خاصة في ظل غياب أي يقين تقني يؤكد قابلية المشروع للإنجاز في المدى المنظور.

في المقابل، يستمر المواطنون في دفع ثمن هذا التردد. الطريق الوطنية رقم 9، خصوصاً على مستوى تيزي نتيشكا، ما زالت تشكّل خطراً موسمياً حقيقياً، مع إغلاقات متكررة، وحوادث سير، وعزلة قسرية للجنوب الشرقي كلما تساقطت الثلوج أو تدهورت الأحوال الجوية. بالنسبة للسكان والفاعلين الاقتصاديين، لم يعد الخطاب عن “العائد الاقتصادي على المدى الطويل” مقنعاً، أمام واقع يومي يتطلب حلولاً فورية، تدريجية، وقابلة للتنفيذ الآن، لا بعد عقد أو عقدين.

حديث الوزير عن الالتزام بالتوجيهات الملكية لا يمكن أن يكون غطاءً لتبرير العجز التنفيذي. فالتوجيهات الملكية تُحيل على النجاعة، والسرعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا على مشاريع معلّقة إلى أجل غير مسمى. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل العائق فعلاً جيولوجي محض، أم أن ما نعيشه هو نتيجة مباشرة لضعف التخطيط، وسوء تدبير الصفقات، وغياب رؤية بديلة واقعية؟

في هذا السياق، لا يمكن إعفاء حزب الاستقلال من المسؤولية السياسية، فالحزب الذي يشرف على وزارة التجهيز والماء يوجد اليوم في قلب هذه المساءلة، لا بمنطق التوظيف الحزبي الضيق، بل بمنطق المحاسبة الديمقراطية. فمشاريع البنية التحتية ليست شعارات انتخابية، بل التزامات استراتيجية تمس سلامة المواطنين وحقهم في التنقل والتنمية.

في الخلاصة، قد يبدو توصيف الوضع بـ“الفشل الذريع” قاسياً، لكنه توصيف أقرب إلى الحقيقة من لغة التجميل الرسمية. مشروع نفق أوريكا اليوم هو مشروع بلا نفق، وبلا جدول زمني، وبلا نتائج، لكنه مليء بالدراسات الفاشلة والإنفاق غير المنتج. وبين الانتظار المفتوح، والحاجيات الاستعجالية المؤجلة، يظل السؤال معلقاً بإلحاح: متى تنتقل السياسات العمومية من منطق المشاريع المؤجلة والوعود المتكررة إلى قرارات شجاعة وحلول واقعية تخدم فعلاً المواطن والمجالات المهمشة؟

شارك المقال شارك غرد إرسال