في مشهد سريالي لا يقل “كوميديا” عن مسرحيات العبث، خرج علينا زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، من قلب مخيمات تندوف، ليعلن للعالم في نوبة كرم مفاجئة استعداده لـ”تقاسم فاتورة السلام” مع المملكة المغربية. نعم، قرأتم العبارة بشكل صحيح، الرجل الذي لا يملك قرار تحريك سيارة رباعية الدفع دون إذن من “الكفيل” في قصر المرادية، يتحدث اليوم عن “الفواتير” و”الدفع” و”التقاسم”.
حديث “بن بطوش” خلال ما يسمى بـ”الندوة العربية للتضامن”، جاء ليؤكد حقيقة واحدة: أن الخطاب السياسي للجبهة انتقل من مرحلة “الكفاح المسلح” الوهمي إلى مرحلة “التسول الدبلوماسي” المفضوح. فعن أي فاتورة يتحدث هذا الزعيم؟ هل هي فاتورة عقود من احتجاز المدنيين؟ أم فاتورة المساعدات الإنسانية التي ضلت طريقها إلى جيوب القيادة وعقارات أوروبا؟ أم أنه يقصد فاتورة الغاز والكهرباء التي يدفعها الجنرالات نيابة عنه؟
المضحك المبكي في تصريحات غالي هو توقيتها.
فالرجل الذي كان بالأمس القريب يهدد ويتوعد بالحرب الشاملة، أصبح اليوم يتحدث بلغة “المرونة” و”التعاون” و”الحل المقبول”. هذا التحول الدراماتيكي لا يمكن قراءته إلا في سياق واحد: “الرعدة” التي ضربت مفاصل الجبهة وحاضنتها الجزائرية بعد التحركات الأمريكية الأخيرة في المنطقة، وزيارة مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس. يبدو أن رياح واشنطن القادمة لا تشتهي سفن تندوف المتهالكة، وأن “العين الحمراء” الدولية جعلت غالي يدرك أن زمن “البيع والشراء” بالشعارات قد انتهى، وأن وقت “الحساب” الحقيقي قد اقترب.
يزعم غالي أن الجبهة “لن تحل محل الصحراويين”، في تصريح يثير الضحك حد البكاء، وكأنه لم يكن هو وزمرته من صادروا صوت المحتجزين لعقود، ونصبوا أنفسهم أوصياء أبديين على مصيرهم. يتحدث عن “الشرعية الدولية” وهو يعيش خارج التاريخ والجغرافيا، في بقعة أرضية تحكمها قوانين الغاب ومزاجية الاستخبارات العسكرية للجارة الشرقية.
إن عرض “تقاسم فاتورة السلام” هو نكتة الموسم بامتياز. فالمملكة المغربية، التي تواصل بناء صحرائها وتنميتها وتستقبل الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء واحداً تلو الآخر، ليست بحاجة لمن يقاسمها الفاتورة، خصوصاً ممن أفلسوا سياسياً وأخلاقياً. المغرب “مخلص فواتيرو” بالتنمية والدبلوماسية والواقعية السياسية، بينما غالي ومن معه لا يملكون في جيوبهم سوى “شيكات بدون رصيد” من الأوهام، وعملة قديمة لم تعد تصرف في أي بنك دولي.
خلاصة القول، غالي، وفر “فواتيرك” لنفسك، أو قدمها لمن يدفع لك تكاليف الإقامة والإعاشة. قطار التسوية الأممية يسير على سكة “الحكم الذاتي” والسيادة المغربية، ومن فاته القطار، لا ينفعه التلويح بتذاكر منتهية الصلاحية، ولا الحديث عن “تقاسم” ما لا يملك.
