Journal24
شريط الاخبار

من تسديد التبليغ إلى تسديد التلقّي: مقترح إصلاحي تكميلي لمسار

تسديد
Journal24

ملخص البحث

Journal24

أطلقت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية الشريفة مشروعًا إصلاحيًّا طموحًا في مجال تسديد التبليغ، شمل توحيد خُطبة الجمعة وتوجيه خطاب المُبلِّغين وضبط مضامين الوعظ والإرشاد الديني؛ وقد حقّق هذا المشروع مكاسب مهمة في ضبط المُخرَج التبليغي وحماية الفضاء الديني من الانزلاقات؛ غير أن هذا المقال يطرح فرضية مركزية مفادها أن تسديد التبليغ — على أهميته — يظلّ مشروعًا ناقصًا ما لم يُسبق ويُرفد بمشروع أعمق وأسبق منه منطقيًّا وزمنيًّا، هو مشروع تسديد التلقّي؛ أي إعادة بناء منظومة صناعة المُبلِّغين أنفسهم من الجذور عبر إصلاح التعليم الذي يُخرِّجهم؛ فالفرق بين المشروعين هو الفرق بين توجيه مَن تخرَّج (تسديد التبليغ) وصناعة مَن سيتخرَّج (تسديد التلقّي)؛ ويستند المقال في بناء هذا المقترح إلى النظرية المعرفية الإصلاحية التي بسطها الدكتور عبد الرحمان القاطي في كتابه الحركة الإسلامية وحتمية المراجعات الكبرى.

أولًا: مشروع تسديد التبليغ — مكاسب حقيقية وحدود موضوعية
لا يُنكِر مُنصِفٌ أن مشروع تسديد التبليغ الذي أطلقته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية يُمثّل خطوة إصلاحية جادة ومسؤولة في ضبط الخطاب الديني بالمملكة المغربية؛ فقد جاء هذا المشروع استجابةً لحاجة ملحّة فرضتها تحدّيات واقعية: تضارب الخطابات الدينية في المساجد، وتسلُّل خطاب التطرف إلى بعض المنابر، وغياب الانسجام بين ما يُبلَّغ في مسجد وما يُبلَّغ في آخر، فضلًا عن ضعف تأهيل بعض المُبلِّغين وعدم قدرتهم على مواكبة تحوُّلات المجتمع.

وقد تجسَّد هذا المشروع في مجموعة من الإجراءات العملية، أبرزها:
توحيد خُطبة الجمعة بحيث تصدر المواضيع والتوجيهات من جهة مركزية تضمن الانسجام والجودة.
تأطير المُبلِّغين عبر دورات تكوينية ولقاءات توجيهية تُحدِّد السقف المعرفي والمنهجي للخطاب.
مراقبة المضامين وضبطها لمنع الانزلاق نحو التطرف أو التسييس أو الخروج عن الثوابت الدينية للمملكة.
وقد أسهم كل ذلك في تحقيق درجة مهمة من الأمن الروحي وحماية الفضاء الديني من الفوضى؛ غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يكفي توجيه المُبلِّغ بعد تخرُّجه، أم أن الأولى والأجدى هو إعادة صناعته من البداية؟

ثانيًا: الفجوة المنهجية — من توجيه المُنتَج إلى إعادة بناء خطّ الإنتاج
إن مشروع تسديد التبليغ يتعامل مع المُخرَج النهائي لمنظومة التعليم: المُبلِّغ الذي تخرَّج بتكوين معيَّن وتشبَّع بمقاربة معرفية محددة، ثم تأتي الوزارة لتُوجِّهه وتضبط خطابه وتُحدِّد له مواضيع خُطَبه؛ وهذا — بلغة الصناعة — أشبه بـضبط الجودة في آخر خطّ الإنتاج (Quality Control at End of Line): أنت لا تُغيِّر المنتَج، بل تفرز الصالح من غير الصالح، وتُعدِّل بعض العيوب الظاهرة.
أما ما نقترحه في هذا المقال فهو الانتقال إلى ما هو أعمق وأسبق: إعادة بناء خطّ الإنتاج نفسه، أي إصلاح منظومة التعليم التي تُخرِّج هؤلاء المُبلِّغين سنة بعد سنة؛ وهذا ما نسمّيه تسديد التلقّي: أي تسديد ما يتلقّاه طالب العلم الشرعي في مراحل تكوينه، بحيث يخرج مُبلِّغًا لا يحتاج إلى كثير توجيه بعد التخرُّج؛ لأن توجيهه قد تمَّ في أثناء التكوين.
بتعبير آخر: تسديد التبليغ يُعالج الأعراض، وتسديد التلقّي يُعالج الأسباب؛ والحكمة تقتضي الجمع بينهما، لكن الأصل في الإصلاح أن يبدأ من الجذور.

ثالثًا: الإشكالية المركزية
تتمحور إشكالية هذا المقال حول السؤال التالي: كيف يمكن تكميل مشروع تسديد التبليغ الذي تتبنّاه وزارة الأوقاف بمشروع أسبق منه وأعمق — هو مشروع تسديد التلقّي — يُعيد بناء منظومة التعليم على أسس تضمن صناعة مُبلِّغ قادر بذاته على حمل رسالة القرآن الأخلاقية وتنزيلها في واقع الناس دون حاجة دائمة إلى توجيه مركزي؟ وما هي الأسس المعرفية والمنهاجية التي ينبغي أن تقوم عليها هذه الصناعة الجديدة للمُبلِّغ؟

رابعًا: المرجعية النظرية — الدكتور عبد الرحمان القاطي ونظريته
يجد هذا المقال مرجعيته النظرية في المشروع الفكري الإصلاحي الذي قدّمه الدكتور عبد الرحمان القاطي — المفكر المغربي، وأستاذ أصول الفقه بكلية أصول الدين جامعة عبد المالك السعدي — في كتابه الحركة الإسلامية وحتمية المراجعات الكبرى؛ وهو كتاب لا يكتفي بالتشخيص والنقد، بل يُقدِّم نظرية معرفية بديلة مُهيكَلة تتضمّن تصوُّرًا مفصَّلًا لإعادة بناء مراحل التعليم من الابتدائي إلى العالي، على أساس مبدأ مركزي هو: اكتمال الدين الحقيقي بوفاة النبي ﷺ، وما يترتب على ذلك من إعادة ترتيب لأولويات المنظومة التعليمية.

هذا الجزء مقتبس من نسق معرفي اقترحه أستاذنا القاطي، كنسق ثالث في أصول الفقه بعد نسق الجمهور وابن حزم رحمهم الله، وهو نسق متكامل يضبط معنى إكمال الدين، وتخليصه من مضافات ظنية أُقحمت فيه باسم النسقين المعهودين، فنقضت الإكمال المحمدي الرباني !
يلخص طرح أستاذنا في: طريق سيَّارٍ – من جديد – إلى الله عبرَ مُخرَجاتٍ خمسٍ واضحة في:
تخليص التوحيد الواجبِ مما ليس منه، وسَحبِ السيف من وسائل التَّداوُلِ في العقيدة.
توسيع الإمكان المعرفي والفلسفي. (موجهاتٌ سبعة؛ بشأن نظرية داروين عن النشوء والارتقاء)
استعادة هَيمَنةِ القرآن على ما سبَقه؛ والتدقيق في موضوع “الملة الإبراهيمية”.
سحب السلوك إلى الله (التصوف) من تَنطُّع “السّلَف” وسُيولة “الخلَف”.
سحب التدافع السياسي باسم الدين؛ من الحركة الإسلامية بمفهومها الخاص.
فهو مشروع يؤسس لنسق إصلاحي، يفكر: لوطنه وأمته والإنسانية كافة.

المبحث الأول: العلاقة بين تسديد التبليغ وتسديد التلقّي — تكامل لا تعارض
المطلب الأول: تسديد التبليغ — مشروع ضروري لكنه غير كافٍ
ينبغي التأكيد ابتداءً على أن هذا المقال لا يطعن في مشروع تسديد التبليغ ولا يُنقِصُ من قيمته، بل يعترف بأنه كان ضرورة مرحلية حقيقية فرضتها ظروف واقعية لا تحتمل التأخير؛ فحين يكون الخطاب الديني في المساجد فوضويًّا ومتضاربًا وأحيانًا خطيرًا، فإن التدخُّل المباشر لتوجيهه وضبطه يكون واجبًا لا يقبل الانتظار.
لكن الإشكال يبدأ حين يتحوَّل هذا الإجراء الضروري إلى نموذج دائم ووحيد للإصلاح؛ فتوحيد الخطبة — مثلًا — يحلّ مشكلة التضارب، لكنه قد يخلق مشكلة أخرى: اتّكالية المُبلِّغ على نص جاهز يُلقيه دون أن يكون قد استوعب عُمقه أو تفاعل مع مضمونه؛ وتأطير المُبلِّغين عبر دورات تكوينية مُوجَّهة يرفع مستواهم جزئيًّا، لكنه لا يُغيِّر البنية المعرفية العميقة التي تشكَّلت عبر سنوات طويلة من التعليم التقليدي.
والمحصلة أن مشروع تسديد التبليغ يُنتج مُبلِّغًا موجَّهًا لا مُبلِّغًا مؤهَّلًا بذاته؛ والفرق بين الاثنين جوهري: الأول يحتاج دائمًا إلى مَن يُوجِّهه ويُراقبه ويُصحِّح مساره، والثاني يحمل في تكوينه ما يجعله قادرًا على التسديد الذاتي.

المطلب الثاني: تسديد التلقّي — الخطوة السابقة المُكمِّلة
ما نقصده بتسديد التلقّي في هذا السياق هو: إعادة بناء ما يتلقّاه طالب العلم الشرعي في مراحل تكوينه بالتعليم، بحيث يتخرَّج مُبلِّغًا مُسدَّدًا من الداخل لا من الخارج فقط.
والمنطق بسيط: إذا كان التعليم يُخرِّج كل سنة مجموعة من المُبلِّغين يحملون رسالة الله إلى الناس، فإن ما تلقّاه هؤلاء في مراحل تكوينهم هو ما يُحدّد طبيعة تبليغهم؛ فإذا تلقّوا تكوينًا يُركِّز على الحفظ دون الفهم، والشكل دون المضمون، والأحكام الفقهية التفصيلية دون الأخلاق التطبيقية الكبرى، فإن تبليغهم سيعكس ذلك حتمًا، ولن تُجدي محاولات التوجيه اللاحق كثيرًا في تغيير ما ترسَّخ عبر سنوات التكوين.
أما إذا أُعيد بناء منظومة التلقّي في التعليم — أي ما يتلقّونه وكيف يتلقّونه — فإن المُبلِّغ سيخرج مُسدَّدًا بالطبع والتكوين، وسيكون مشروع تسديد التبليغ حينئذ مُكمِّلًا ومُعزِّزًا لا مُعوِّضًا وبديلًا.

المطلب الثالث: ترتيب المشروعين — أيهما أسبق؟
إذا نظرنا إلى المسألة نظرة منطقية صِرفة، فإن تسديد التلقّي أسبق من تسديد التبليغ في سُلَّم الأولويات؛ لأنه يتعامل مع المنبع لا مع المصبّ؛ لكن الواقع لا يخضع دائمًا لمنطق الترتيب المثالي؛ إذ كانت الحاجة العاجلة إلى ضبط الخطاب الديني هي التي فرضت البدء بتسديد التبليغ؛ وهذا مفهوم ومقبول.
لكن المطلوب الآن — وقد تحقّقت مكاسب مهمة في ضبط التبليغ — هو أن تُكمِل الوزارة مسارها الإصلاحي بالانتقال إلى الجذر، أي إلى إصلاح منظومة التعليم التي تُنتِج المُبلِّغين أنفسهم؛ وبذلك يكتمل المسار الإصلاحي حلقتين:
الحلقة الأولى (القائمة): تسديد التبليغ — توجيه المُبلِّغ بعد التخرُّج.
الحلقة الثانية (المقترحة): تسديد التلقّي — صناعة المُبلِّغ قبل التخرُّج.
والعلاقة بينهما علاقة تكامل واستمرار، لا علاقة إلغاء واستبدال؛ فتسديد التبليغ يظلّ ضروريًّا حتى مع إصلاح التلقّي؛ لأن التوجيه المؤسساتي المستمر يبقى مطلوبًا في كل الأحوال؛ لكن حجم التدخُّل التوجيهي سيتناقص تدريجيًّا كلما تحسَّنت جودة المُنتَج التعليمي في المنبع.

المبحث الثاني: تشخيص الإشكال — ماذا يتلقّى طالب التعليم اليوم؟

المطلب الأول: الحفظ بلا ترشيد
يظلّ حفظ القرآن الكريم الركيزة الأولى في التعليم، وهذا أمر لا خلاف في أهميته؛ غير أن الإشكال يكمن في كيفية هذا الحفظ وما يُصاحبه؛ فطاقة الحفظ لدى الطالب — وهي طاقة محدودة — تُستنزَف في كثير من الأحيان في ما لا يُثمر ثمرة حقيقية.
وفي هذا السياق يُشخِّص الدكتور عبد الرحمان القاطي الإشكال بدقة حين يدعو إلى ترشيد طاقة الحفظ بألا يُنفَق منها شيء في التمحُّلات المتكلَّفة عن قواعد التجويد التي كانت واجباتُها صورة أخرى من التزيُّد في الدين؛ ويُضيف أن هذه القواعد شكَّلت بدائل مزيَّفة وهي تعوِّض الانتصار الواجب لحرمة المعاني؛ بانتصارٍ وهمي لحسِّيَّات صوتية في المباني لا يضرُّ الاختلاف بشأنها.
وهذا التشخيص يكشف عن مفارقة عميقة: أن المنظومة التعليمية التقليدية استثمرت جهدًا هائلًا في ظاهر التلاوة على حساب باطن المعنى؛ والمحصلة أن كثيرًا من خرّيجي التعليم يُتقنون أحكام المدّ والإدغام والإخفاء، لكنهم يعجزون عن استخراج الموجِّهات الأخلاقية والتربوية من الآيات التي يحفظونها؛ وهذا خلل في التلقّي ينعكس حتمًا على التبليغ.
ويُنبِّه القاطي إلى أن في مجرد الحفظ السليم للقرآن — دون تعقيدات نظرية — ما يكفي لإمداد الناشئة بـ مادة خام هائلة: خطًّا، وتعبيرًا، وتشبيهات، واستعارات، وأساسًا متينًا من التاريخ، والسؤال الفلسفي، والأفق الواسع، والذوق الأدبي، والأخلاق؛ وهذه المادة الخام هي التي ينبغي أن يُبنى عليها التلقّي في المراحل اللاحقة.

المطلب الثاني: تغييب الأخلاق التطبيقية
الإشكال الثاني في منظومة التلقّي الحالية هو أن الأخلاق التطبيقية — التي هي جوهر الرسالة الدينية — تكاد تكون غائبة عن البرامج التعليمية لصالح التفريعات الفقهية والمتون النحوية والأصولية؛ وطالب العلم الشرعي يقضي سنوات في دراسة فروع الفقه وأحكامه التفصيلية، لكنه نادرًا ما يُتاح له التدرُّب على تنزيل القيم القرآنية الكبرى في مواقف حياتية حقيقية.
والنتيجة أن المُبلِّغ يخرج قادرًا على إخبار الناس بأن الكذب حرام والصدق واجب، لكنه قد يعجز عن مساعدتهم في التعامل مع المعضلات الأخلاقية المعقَّدة التي يفرضها الواقع المعاصر؛ وهذا ما يجعل خطابه — حتى بعد تسديد تبليغه — خطابًا عامًّا سطحيًّا لا يُلامس عُمق المُتلقّي ولا يُغيِّر سلوكه.

المطلب الثالث: الانغلاق اللغوي والرقمي
يتخرَّج كثير من طلبة التعليم وهم لا يُتقنون إلا العربية — وأحيانًا بمستوى لا يتجاوز عربية المتون — دون أي انفتاح على لغات أجنبية تُمكِّنهم من التواصل مع شرائح واسعة من المجتمع المغربي المتعدد اللغات، فضلًا عن التواصل مع العالم الخارجي؛ كما أن أساسيات الرقمنة غائبة في الغالب عن تكوينهم، مما يجعلهم عاجزين عن توظيف الأدوات الرقمية التي صارت الوسيط الأساسي للتواصل في العصر الحالي.
وهذا القصور في التلقّي اللغوي والرقمي يُضعف حتمًا فاعلية التبليغ، حتى لو تمّ تسديده مركزيًّا.

المبحث الثالث: النظرية المعرفية الإصلاحية للدكتور القاطي — خارطة طريق لتسديد التلقّي.

المطلب الأول: المبدأ المؤسِّس — اكتمال الدين ونتائجه على التعليم
ينطلق الدكتور القاطي من مبدأ قرآني حاسم: أن الدين اكتمل فعلًا بوفاة النبي ﷺ اكتمالًا حقيقيًّا، لا يحتاج إلى إضافات ملزمة نتيجة نسق الجمهور وابن حزم رحمهم الله؛ وهذا الاكتمال له نتائج مباشرة على منظومة التعليم:
فما يستجِدّ إلى يوم الدين لا يخرج عن صنفين:
أشياء جديدة: وهذه قد تمّ حصر المحرَّم منها إلى الأبد في القرآن، فلا التفات في التي تستجدّ إلا إلى ما يُفعل بها.
صور أفعال جديدة: لا تخرج كما لا يخرج ما يُفعل بالأشياء الجديدة عن النفع أو الإضرار بالإنسان والبيئة (بكل عناصرها) على قواعد القرآن وضوابطه المنصوصة.
ومعنى ذلك أن الإشكال يرتفع حين نأخذ النافع على أصل الإباحة، ونُمسك بضابط المعايرة لما يكون ضررًا؛ ويُفصِّل القاطي هذا الضابط بدقة:
فعل الإضرار المُفضي إلى التهلكة أو تغيير خلق الله: حرام بصريح النص القرآني.
فعل الإضرار الذي ينزل رتبة عن ذلك: مكروه.
فعل الإضرار الطفيف الذي يُعتاد مثله: غير معتبَر.
وكل ذلك آيل إلى الخبرة الحسِّيَّة — كما يقول القاطي.
والنتيجة التعليمية لهذا المبدأ هي أن منظومة التعليم لا تحتاج إلى ذلك الحجم الهائل من التفريعات الفقهية والأصولية التي تستهلك سنوات من عمر الطالب، بل تحتاج إلى تمكينه من المبادئ القرآنية الكلية وتدريبه على تطبيقها في الواقع.

المطلب الثاني: إعادة هيكلة المرحلة الابتدائية — تأسيس التلقّي السليم
يُقدّم أستاذنا القاطي تصوُّرًا مُفصَّلًا لإعادة بناء المرحلة الابتدائية في التعليم، وهو التصوُّر الذي نقترح أن يكون نواة إصلاح التعليم في المغرب:
حفظ القرآن الكريم حفظًا تامًّا مع ترشيد طاقة الحفظ
كما أسلفنا، يدعو القاطي إلى حفظ القرآن كاملًا في هذه المرحلة مع تحرير طاقة الحفظ من الأعباء النظرية الزائدة، والتركيز على تمكين الطالب من المادة الخام القرآنية التي ستكون أساس تكوينه في المراحل اللاحقة.
والمقصود بترشيد طاقة الحفظ هو توفيرها لما هو أنفع وأجدى: فبدل أن يقضي الطالب ساعات في حفظ تعريفات الإدغام وأنواعه وشروطه، يُوجَّه إلى التأمل في معاني ما يحفظه واستشعار حِكَمه؛ فالقرآن يُحفَظ ليُفهَم ويُعمَل به، لا ليُتلى بتقنية صوتية مثالية بينما المعاني معطَّلة.
أوراش ترفيهية مفتوحة للأخلاق التطبيقية
يدعو القاطي إلى أن تكون المرحلة الابتدائية مرحلة بناء أخلاقي تطبيقي في إطار ترفيهي يُقدِّس طفولة الأطفال ويحمي متطلباتهم الجِبِلِّيَّة والفطرية؛ وهذا يعني أن الطالب في هذه المرحلة لا يُثقَل بمسائل فقهية تفوق مداركه، بل يُدرَّب على أخلاق التعامل والتعاون والصدق والرحمة والعدل من خلال الأنشطة واللعب والقصص والمشاريع الجماعية.
وهذا التوجُّه يضمن أن يتلقّى طالب التعليم منذ البداية رسالة مفادها أن جوهر الدين هو الأخلاق، وأن كل ما سيأتي بعد ذلك من تفاصيل هو خادم لهذا الجوهر لا بديل عنه.
إتقان لغتين أجنبيتين على الأقل
يربط القاطي هذا المقترح بالأمر القرآني بالتعارف بين الشعوب، ويستدل بقوله تعالى ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ على أن الأصل في العلاقة مع الآخر هو السِّلم لا الحرب، وأن التعارف — الذي تُتيحه اللغات — يُنتج تآلفًا يُعزِّز السلم، بينما التناكر يُنتج تنافرًا يُغذّي بواعث الاقتتال.
ويُضيف مقترحًا لافتًا هو الصرامة في حماية التراث اللغوي المحلي من الاندثار، وهو ما يُؤكّد أن الانفتاح اللغوي المطلوب ليس على حساب الهوية بل في خدمتها.
إتقان أساسيات الرقمنة وتوجيهها
تمكين طالب التعليم من أدوات العصر الرقمي ليس ترفًا بل ضرورة؛ فالمُبلِّغ الذي لا يفهم الفضاء الرقمي لن يستطيع الوصول إلى المتلقي المعاصر الذي يقضي معظم وقته في هذا الفضاء.
إلغاء الاختبارات في هذه المرحلة
وهذا شرط مهم يضعه القاطي: على أن تخلو هذه المرحلة عن أي نوع من أنواع الاختبار؛ والحكمة واضحة: تحرير الطفل من ضغط التقييم ليتفرَّغ للحفظ والتشرُّب الأخلاقي والاكتشاف اللغوي والرقمي في جوّ من الطمأنينة والمتعة.

المطلب الثالث: المراحل الإعدادية والتأهيلية — رفع مقام الأخلاق
في هذه المراحل يدعو القاطي إلى المسارعة — تبعًا لما ظهر من أولوية أخلاق العلم على قواعده — إلى إعادة الاعتبار لمادة التربية الإسلامية بالرفع من مُعاملها من الأدنى إلى الأعلى، بحيث تتفوّق لحيويتها — بعد المراجعات المطلوبة — باقي المواد جميعها.

وهذا المقترح يحتاج إلى تأمل في ضوء سياق إصلاح التعليم: فالتعليم يُفترض أنه تعليم ديني بامتياز، لكن مادة التربية الإسلامية فيه — كما في التعليم العام — غالبًا ما تكون مادة تلقينية تُعطي الأحكام جاهزة دون تدريب على التطبيق الأخلاقي؛ والمطلوب هو إعادة بنائها على أساس الأخلاق التطبيقية المُستمدة من القرآن الكريم مباشرة، ثم رفع مُعاملها إلى أعلى مستوى بين المواد تأكيدًا على مركزيتها.
وإذا كان المُبلِّغ الذي تخرَّج من هذه المنظومة قد تلقّى تكوينًا تتصدَّر فيه الأخلاق التطبيقية كل المواد، فإن تبليغه سيكون بالضرورة تبليغًا أخلاقيًّا عمليًّا يُلامس حياة الناس، دون حاجة إلى توجيه مركزي يُذكِّره بما كان ينبغي أن يتلقّاه في الأصل.

المطلب الرابع: التعليم العالي — إعادة تعريف الفقيه المطلوب
يطرح القاطي أجرأ مقترحاته في هذا المستوى، إذ يرى أنه لن تستمرّ الحاجة إلى كليات الشريعة والدراسات الإسلامية وأصول الدين بمواصفاتها وأجندتها الحالية ما دام الاقتناع قد حصل بأن الدين اكتمل اكتمالًا حقيقيًّا.
ويُعيد القاطي تعريف الفقيه المطلوب إنتاجه وتكوينه بأنه: فقيه القانون المنغمس في تفاصيل المجتمع ومفاصل الحياة، أي الذي يُقيّد المباح الديني الواسع إعمالًا لما كان قسمة عادلة من وسائل الإدراك المشتركة بين خلق الله.
وبناءً على ذلك تصير الشريعة شِقّين:
شِقّ واجب معلوم للجميع على قواعد القرآن المُيسَّر.
شِقّ مُخيَّر فيه مفتوح للجميع على أصل الإباحة.
ومن ثَمَّ يدعو القاطي إلى تحويل كليات الشريعة والدراسات الإسلامية إلى:
كليات للغة تُعنى بعلوم العربية وآدابها، كما هو قائم في كلية اللغة بمراكش التابعة لجامعة القرويين.
كليات للأخلاق والأخلاق التطبيقية تجتهد مستعينةً بإفادات غيرها — في علم التنزيل الأخلاقي لا غير؛ كي تتعلّم الخلائق كيف تتأدّب مع كلام الخالق وهو يفتل بالخير حبل نجاتها من الشرّ تحقيقًا لسعادة الدنيا وتحصيلًا لنعيم الآخرة.

المبحث الرابع: أثر تسديد التلقّي على تسديد التبليغ — كيف يُكمِّل الثاني الأول؟

المطلب الأول: من المُبلِّغ المُوجَّه إلى المُبلِّغ المُؤهَّل
حين تتبنّى الوزارة مشروع تسديد التلقّي إلى جانب مشروع تسديد التبليغ، فإن المُبلِّغ الذي سيتخرَّج من منظومة التعليم المُصلَحة سيكون مختلفًا جذريًّا عن المُبلِّغ الحالي:

المُبلِّغ في نموذج تسديد التبليغ فقط المُبلِّغ في نموذج تسديد التلقّي + التبليغ
حافظ للقرآن مع تركيز على المباني الصوتية حافظ للقرآن مع تشرُّب عميق بالمعاني والمقاصد
مُلِمّ بتفريعات فقهية كثيرة متمكّن من المبادئ القرآنية الكلية وتطبيقاتها الأخلاقية
يتكلم العربية فقط (غالبًا) يُتقن لغتين أجنبيتين على الأقل
بعيد عن الفضاء الرقمي مُتمكِّن من أساسيات الرقمنة
يحتاج إلى توجيه مركزي مستمر يحمل بوصلته الأخلاقية الذاتية
يُبلِّغ بالشكل الذي حُدِّد له يُبلِّغ بالروح التي تشبَّع بها
خطابه موحَّد لكن قد يكون آليًّا خطابه متنوع لكن مُسدَّد من الداخل

المطلب الثاني: تخفيف العبء المؤسساتي
من الفوائد العملية لمشروع تسديد التلقّي أنه سيُخفِّف تدريجيًّا العبء المؤسساتي الذي تتحمّله الوزارة في مشروع تسديد التبليغ؛ فتوحيد الخُطبة — مثلًا — يتطلّب جهدًا مركزيًّا مستمرًّا في إعداد المواضيع وصياغتها وتعميمها ومتابعة تطبيقها؛ أما إذا كان المُبلِّغ مُؤهَّلًا بذاته — بفضل تسديد تلقّيه — فإن الحاجة إلى هذا التدخُّل المركزي ستتناقص، وسيكون بإمكان الوزارة التحوُّل من دور التوجيه المباشر إلى دور الرقابة والتقييم والدعم، وهو دور أقلّ كلفة وأكثر فاعلية على المدى البعيد.

المطلب الثالث: من الانسجام الشكلي إلى الانسجام الجوهري
يُحقّق مشروع تسديد التبليغ انسجامًا شكليًّا في الخطاب الديني: الموضوع واحد، والتوجُّه واحد، والسقف محدَّد؛ وهذا مهم بلا شك؛ لكن مشروع تسديد التلقّي يُحقّق ما هو أعمق: انسجامًا جوهريًّا ينبع من اشتراك المُبلِّغين في بنية معرفية وأخلاقية واحدة تشكَّلت عبر سنوات التكوين؛ والفرق بين الانسجام الشكلي والانسجام الجوهري هو الفرق بين جنود يُنفِّذون أوامر وقادة يتشاركون رؤية.

المبحث الخامس: ملمح المُبلِّغ الجديد — مُنتَج تسديد التلقّي
المطلب الأول: مُبلِّغ قرآني الروح
المُبلِّغ الذي نتصوَّره نتاجًا لمنظومة تسديد التلقّي هو مُبلِّغ تشرَّب القرآن معنًى قبل أن يحفظه مبنًى؛ هو يعرف أن القرآن أعطاه مادة خام هائلة من التعبير والتشبيهات والاستعارات والتاريخ والسؤال الفلسفي والذوق الأدبي والأخلاق، ويعرف كيف يُوظِّف هذه المادة في خطابه مع الناس.
المطلب الثاني: مُبلِّغ أخلاقي التكوين
هو مُبلِّغ تكوَّن على أولوية الأخلاق على الأحكام، يعرف أن رسالته ليست إصدار فتاوى بل تنزيل القيم القرآنية الكبرى في واقع الناس؛ يُساعد المتلقي على أن يكون صادقًا وعادلًا ورحيمًا وكريمًا، ويترك تفاصيل المباح الواسع لاختيار الناس وللقانون الوضعي العادل.

المطلب الثالث: مُبلِّغ منفتح على العالم
بإتقانه للغتين أجنبيتين على الأقل وبتمكُّنه من أساسيات الرقمنة، يكون هذا المُبلِّغ قادرًا على الوصول إلى شرائح لا يصل إليها المُبلِّغ التقليدي: الشباب المُعَولم، والمسلمون غير الناطقين بالعربية، والمهتمّون بالإسلام من غير المسلمين؛ وبذلك يتحوَّل من مُبلِّغ محلي إلى سفير أخلاقي للرسالة القرآنية في عالم متّصل.

المطلب الرابع: مُبلِّغ يعرف حدود دوره
من أهم سمات هذا المُبلِّغ أنه يعرف أن الشريعة صارت شِقّين: شِقّ واجب معلوم للجميع لا يحتاج إلى وسيط، وشِقّ مُخيَّر فيه مفتوح للجميع؛ وهو — من ثَمَّ — لا يحتكر الفهم ولا يُنصِّب نفسه وسيطًا لا يُستغنى عنه، بل يرى دوره في تيسير تلقّي الرسالة القرآنية لا في احتكارها.
المبحث السادس: شروط التنزيل ومتطلبات التنفيذ

المطلب الأول: الإرادة المؤسساتية
إن مشروعًا بهذا العمق لا يمكن أن يتحقّق دون إرادة مؤسساتية واضحة على مستوى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مدعومة بالتوجُّه الملكي الداعم لإصلاح الشأن الديني؛ والمقترح هو أن تتبنّى الوزارة مشروع تسديد التلقّي بوصفه الحلقة المُكمِّلة لمشروع تسديد التبليغ، لا بديلًا عنه ولا منافسًا له.

المطلب الثاني: التدرُّج والتجريب
يُستحسن أن يبدأ التطبيق بشكل تجريبي في عدد محدود من المدارس العتيقة المُختارة، مع متابعة دقيقة وتقييم مستمر لقياس الأثر؛ ثم يُعمَّم تدريجيًّا بعد استخلاص الدروس وتعديل المسار.
المطلب الثالث: تأهيل المُكوِّنين
لا يمكن تطبيق نموذج تسديد التلقّي بمُكوِّنين تكوَّنوا على النموذج القديم؛ لذلك ينبغي أن يسبق الإصلاح — أو يُصاحبه — برنامج مكثَّف لإعادة تأهيل مُعلِّمي التعليم وأساتذته على أساس المقاربة الجديدة.

المطلب الرابع: إشراك الفاعلين
يتطلب نجاح هذا المشروع إشراك عدة أطراف:
المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية لضمان الشرعية العلمية.
القيِّمين على المدارس العتيقة لضمان الانخراط الميداني.
الأسر لضمان التجاوب الاجتماعي.
الباحثين والأكاديميين لضمان التأطير النظري والتقييم العلمي.

المطلب الخامس: بناء مؤشرات تقييم جديدة
في نموذج تسديد التلقّي، لا يُقاس نجاح المنظومة بعدد السور المحفوظة أو المتون المستظهَرة، بل بمؤشرات من نوع آخر:
مؤشرات أخلاقية: هل تغيَّر سلوك الطالب؟ هل صار أصدق وأرحم وأعدل؟
مؤشرات تواصلية: هل يستطيع الطالب التعبير عن القيم القرآنية بلغة معاصرة مفهومة؟
مؤشرات انفتاحية: هل يُتقن لغات أجنبية؟ هل يفهم العالم من حوله؟
مؤشرات رقمية: هل يُوظِّف الأدوات الرقمية بكفاءة وأخلاقية؟
مؤشرات التلقّي عند المُخاطَب: هل يُحدث خطاب المُبلِّغ أثرًا فعليًّا في سلوك المتلقّين؟

المبحث السابع: مناقشة الاعتراضات المحتملة
الاعتراض الأول: هل هذا المقترح يُلغي تسديد التبليغ؟
الجواب: لا؛ هذا المقترح يُكمِّل تسديد التبليغ ولا يُلغيه؛ وقد أكّدنا مرارًا أن العلاقة بين المشروعين علاقة تكامل واستمرار؛ فتسديد التبليغ يظلّ ضروريًّا بوصفه آلية مؤسساتية للتوجيه والضبط، لكنه يصير أكثر فاعلية وأقلّ كلفة حين يكون المُبلِّغ قد تلقّى تكوينًا مُسدَّدًا في الأصل.

الاعتراض الثاني: ألا يُمثّل هذا المقترح تقليلًا من شأن العلوم الشرعية التقليدية؟
الجواب: المقترح لا يُقلِّل من شأن العلوم الشرعية، بل يُعيد ترتيب أولوياتها؛ فاللغة العربية وعلومها لا تُلغى بل تتحوَّل إلى كليات لغوية متخصصة؛ والأخلاق — التي هي جوهر الشريعة — تُرفع إلى مقام الصدارة؛ والتفريعات الفقهية التي لا صلة لها بالقرآن المباشر يُعاد النظر فيها على ضوء مبدأ اكتمال الدين.

الاعتراض الثالث: الموقف من التجويد أليس متشدّدًا؟
الجواب: القاطي لا يدعو إلى إلغاء التجويد بوصفه حُسن أداء فطري للحروف، بل يدعو إلى تحرير طاقة الحفظ من التعقيد النظري الذي حُمِّل على ظاهرة صوتية طبيعية؛ والفرق دقيق لكنه جوهري: فحُسن التلاوة يتحقّق بالممارسة والتكرار والسماع، أما حفظ تعريفات ومصطلحات وتقسيمات نظرية فهو عبء لا يخدم الهدف الأساسي من الحفظ — وهو التشرُّب بمادة القرآن الخام بمعانيها وأخلاقها.

الاعتراض الرابع: هل يمكن تحويل كليات الشريعة فعلًا؟
الجواب: هذا المقترح يحتاج بالطبع إلى نقاش مؤسساتي واسع وإلى قرارات على أعلى المستويات؛ لكنه ليس سابقة بلا مثيل؛ فقد أشار القاطي نفسه إلى أن نموذج كلية اللغة بمراكش التابعة لجامعة القرويين يُثبت إمكانية التحويل؛ والمهم أن يُطرح المقترح للنقاش العلمي الرصين بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية.

الخاتمة والتوصيات
أولًا: خلاصات البحث
إن مشروع تسديد التبليغ الذي أطلقته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية يُمثّل إنجازًا حقيقيًّا في ضبط الخطاب الديني، لكنه يتعامل مع المُخرَج النهائي لمنظومة التعليم ولا يُعالج البنية التكوينية التي أنتجت هذا المُخرَج.
إن تسديد التلقّي — أي إعادة بناء ما يتلقّاه طالب التعليم في مراحل تكوينه — هو الحلقة المفقودة التي تُكمِّل مشروع تسديد التبليغ وتُعزِّز فاعليته على المدى البعيد؛ فصناعة المُبلِّغ أسبق منطقيًّا وأعمق أثرًا من مجرد توجيهه بعد التخرُّج.
إن النظرية المعرفية الإصلاحية التي يُقدِّمها الدكتور عبد الرحمان القاطي في كتابه الحركة الإسلامية وحتمية المراجعات الكبرى تُوفِّر إطارًا نظريًّا وعمليًّا متماسكًا لبناء مشروع تسديد التلقّي، يشمل إعادة هيكلة المراحل التعليمية من الابتدائي إلى العالي.
إن جوهر هذا المقترح هو الانتقال من تكديس المعارف الشرعية التقليدية في ذهن المُبلِّغ إلى بناء وعي أخلاقي قرآني يجعله قادرًا على حمل الرسالة وتنزيلها بفاعلية دون حاجة دائمة إلى توجيه مركزي.
إن العلاقة بين تسديد التبليغ وتسديد التلقّي علاقة تكامل واستمرار لا علاقة إلغاء واستبدال، والمطلوب هو أن تُضيف الوزارة الحلقة الثانية إلى الحلقة الأولى لا أن تستبدل إحداهما بالأخرى.

ثانيًا: التوصيات
توصية مركزية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: تبنّي مشروع تسديد التلقّي بوصفه الخطوة الإصلاحية الأساسية المُكمِّلة لمشروع تسديد التبليغ، وتشكيل لجنة علمية متعددة التخصصات لدراسة مقترحات الدكتور القاطي وبلورتها في خطة تنفيذية مرحلية.

توصية بإعادة هيكلة المرحلة الابتدائية في التعليم وفق المحاور الأربعة التي حدّدها القاطي: حفظ مُرشَّد للقرآن، أوراش أخلاقية ترفيهية، لغتان أجنبيتان، أساسيات الرقمنة — مع إلغاء الاختبارات.
توصية بإعادة بناء مادة التربية الإسلامية في المرحلتين الإعدادية والتأهيلية على أساس الأخلاق التطبيقية، ورفع مُعاملها إلى أعلى مستوى بين المواد.
توصية بفتح نقاش مؤسساتي جادّ حول مستقبل كليات الشريعة والدراسات الإسلامية، والنظر في إمكانية تحويلها إلى كليات للغة وكليات للأخلاق التطبيقية.
توصية بإطلاق مشروع تجريبي في عدد محدود من المدارس العتيقة لتطبيق نموذج تسديد التلقّي وقياس أثره قبل التعميم.
توصية بتنظيم ندوة علمية وطنية حول موضوع من تسديد التبليغ إلى تسديد التلقّي يُدعى إليها العلماء والباحثون والفاعلون المؤسساتيون لمناقشة المقترح في إطار حوار فكري بنّاء.

كلمة أخيرة
إن مسار إصلاح الشأن الديني بالمملكة المغربية الشريفة قد قطع أشواطًا مهمة بفضل مشروع تسديد التبليغ وغيره من المبادرات المؤسساتية؛ لكن الطموح الإصلاحي الحقيقي يقتضي أن لا نكتفي بتوجيه مَن تخرَّج، بل أن نُعيد صناعة مَن سيتخرَّج؛ فالمُبلِّغ الذي تشكَّل تلقّيه على أسس سليمة لن يحتاج إلى كثير تسديد في تبليغه، لأنه سيحمل التسديد في بنيته المعرفية والأخلاقية ذاتها.
والغاية من ذلك كله — كما عبَّر عنها الدكتور عبد الرحمان القاطي بعبارته البليغة — هي أن تتعلّم الخلائق كيف تتأدّب مع كلام الخالق وهو يفتل بالخير حبل نجاتها من الشرّ تحقيقًا لسعادة الدنيا وتحصيلًا لنعيم الآخرة.
والله وليّ التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

قائمة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
القاطي، عبد الرحمان؛ الحركة الإسلامية وحتمية المراجعات الكبرى؛ (الطبعة المعتمدة في البحث).
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية؛ النصوص التنظيمية للتعليم العتيق (ظهير 13 فبراير 2002 والمراسيم اللاحقة).
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ مشروع تسديد التبليغ — الوثائق المرجعية.
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ التقارير السنوية حول الشأن الديني بالمغرب.
المجلس العلمي الأعلى؛ الوثائق والدراسات المتعلقة بإصلاح الخطاب الديني.
ابن عاشور، محمد الطاهر؛ مقاصد الشريعة الإسلامية؛ دار السلام، القاهرة.
الشاطبي، أبو إسحاق؛ الموافقات في أصول الشريعة؛ تحقيق عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت.
طه عبد الرحمان؛ سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية؛ المركز الثقافي العربي، بيروت.
Hefner, R؛ W., & Zaman, M؛ Q؛ (Eds.)؛ Schooling Islam: The Culture and Politics of Modern Muslim Education؛ Princeton University Press, 2007.

 

الفهرس
ملخص البحث 1
المقدمة 1
أولًا: مشروع تسديد التبليغ — مكاسب حقيقية وحدود موضوعية 1
ثانيًا: الفجوة المنهجية — من توجيه المُنتَج إلى إعادة بناء خطّ الإنتاج 2
ثالثًا: الإشكالية المركزية 2
رابعًا: المرجعية النظرية — الدكتور عبد الرحمان القاطي ونظريته 2
المبحث الأول: العلاقة بين تسديد التبليغ وتسديد التلقّي — تكامل لا تعارض 3
المطلب الأول: تسديد التبليغ — مشروع ضروري لكنه غير كافٍ 3
المطلب الثاني: تسديد التلقّي — الخطوة السابقة المُكمِّلة 3
المطلب الثالث: ترتيب المشروعين — أيهما أسبق؟ 3
المبحث الثاني: تشخيص الإشكال — ماذا يتلقّى طالب التعليم اليوم؟ 4
المطلب الأول: الحفظ بلا ترشيد 4
المطلب الثاني: تغييب الأخلاق التطبيقية 4
المطلب الثالث: الانغلاق اللغوي والرقمي 5
المبحث الثالث: النظرية المعرفية الإصلاحية للدكتور القاطي — خارطة طريق لتسديد التلقّي 5
المطلب الأول: المبدأ المؤسِّس — اكتمال الدين ونتائجه على التعليم 5
المطلب الثاني: إعادة هيكلة المرحلة الابتدائية — تأسيس التلقّي السليم 6
المطلب الثالث: المراحل الإعدادية والتأهيلية — رفع مقام الأخلاق 7
المطلب الرابع: التعليم العالي — إعادة تعريف الفقيه المطلوب 7
المبحث الرابع: أثر تسديد التلقّي على تسديد التبليغ — كيف يُكمِّل الثاني الأول؟ 8
المطلب الأول: من المُبلِّغ المُوجَّه إلى المُبلِّغ المُؤهَّل 8
المطلب الثاني: تخفيف العبء المؤسساتي 8
المطلب الثالث: من الانسجام الشكلي إلى الانسجام الجوهري 8
المبحث الخامس: ملمح المُبلِّغ الجديد — مُنتَج تسديد التلقّي 8
المطلب الأول: مُبلِّغ قرآني الروح 8
المطلب الثاني: مُبلِّغ أخلاقي التكوين 9
المطلب الثالث: مُبلِّغ منفتح على العالم 9
المطلب الرابع: مُبلِّغ يعرف حدود دوره 9
المبحث السادس: شروط التنزيل ومتطلبات التنفيذ 9
المطلب الأول: الإرادة المؤسساتية 9
المطلب الثاني: التدرُّج والتجريب 9
المطلب الثالث: تأهيل المُكوِّنين 9
المطلب الرابع: إشراك الفاعلين 9
المطلب الخامس: بناء مؤشرات تقييم جديدة 10
المبحث السابع: مناقشة الاعتراضات المحتملة 10
الاعتراض الأول: هل هذا المقترح يُلغي تسديد التبليغ؟ 10
الاعتراض الثاني: ألا يُمثّل هذا المقترح تقليلًا من شأن العلوم الشرعية التقليدية؟ 10
الاعتراض الثالث: الموقف من التجويد أليس متشدّدًا؟ 10
الاعتراض الرابع: هل يمكن تحويل كليات الشريعة فعلًا؟ 11
الخاتمة والتوصيات 11
أولًا: خلاصات البحث 11
ثانيًا: التوصيات 11
كلمة أخيرة 12
قائمة المصادر والمراجع 13

 

Journal24
شارك المقال شارك غرد إرسال
Journal24