شريط الاخبار
           

مصطفى الطالب يكتب: جمالية الصورة والمضمون في فيلم ” الشيخ ماء العينين الامام المجاهد والعالم الرباني” لعز العرب العلوي

مصطفى الطالب

وقع مؤخرا المخرج المغربي عزالعرب العلوي فيلما وثائقيا تحت عنوان ” الشيخ ماء العينين الإمام المجاهد والعالم الرباني” من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية، ويسلط الشريط الضوء على أحد أعلام المغرب خصوصا والأمة العربية الإسلامية عموما والذين ذاع صيتهم في المغرب والمشرق، وهو العالم الجليل الشيخ ماء العينين، وإسمه الكامل هو سيدي المصطفى بن الشيخ محمد فاضل بن الشيخ محمد الأمين “الملقب مامين” بن الطالب أخيار بن الطالب محمد بن الجيه المختار القلقمي الإدريسي الحسني. المولود  يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان سنة 1246ه الموافق ليوم 8 فبراير 1831م، والمتوفي بمدينة تزنيت في منتصف ليلة الثلاثاء 21 من شهر شوال عام 1328ه، الموافق ليوم 11 اكتوبر سنة 1910م.

ويعتبر هذا العمل السينمائي الذي تم تصويره بين المغرب وموريتانيا من الأعمال القليلة المتميزة التي تعرف بعطاءات الشيخ ماء العينين رحمه الله على المتسوى العلمي والفكري والاجتماعي والسياسي.

مميزات الفيلم

سبق للمخرج عز العرب العلوي أن أخرج عدة أشرطة وثائقية  نالت اهتمام وإعجاب الجمهورالعربي عموما والمغربي خصوصا لتناولها لمواضيع ذات عمق فكري ولطرحها لقضايا اجتماعية وتاريخية مصيرية بالنسبة للوطن العربي، مثل “المهدي المنجرة المنذر بالام العالم” (الذي يعرف  فيه بالمفكر المغربي وعالم المستقبليات المشهور وطنيا وعالميا) و” ماوكلي في جبال الأطلس” و “نساء سجاد”، إضافة الى فيلمه ” الغزو الجديد”. وشريطه الجديد ينخرط في هذه السلسلة من الأعمال الوثائقية التي تؤرح للذاكرة الجماعية المغربية والعربية.

و لهذا الشريط الوثائقي الجديد مميزات فنية-سينمائية وعلمية نلخصها في النقاط التالية:

أولا : حسن اختيار الموضوع:

أو بعبارة أدق شخصية الفيلم:العالم والمجاهد الشيخ ماء العينين، وهي شخصية مغربية ذات جذور موريتانية لها وزنها العلمي ورمزيتها

فتح الأندلس
مصطفى الطالب ناقد سنمائي

الدينية مغاربيا وعربيا. فقد عرف الشيخ ماء العينين رحمه الله بغزارة علمه (الفقه والاصول والحديث والتفسيروالأدب) وزهده وجهاده ضد المستعمر الأجنبي ودفاعه عن وطنه ووحدته الترابية. عاصر هذا العالم الرباني خمس ملوك علويين كنوا له كل التقدير والاحترام واستقبلوه بكل حفاوة وكرم وانزلوه منزلة العلماء الشرفاء. فساعدوه على بناء مدينة الساقية الحمراء المغربية التي توطنها وجعلها منارة علم وتدريس وجهاد كما جاء في الشريط على لسان حفدته وفي كتب التاريخ. بعد أن اخذ العلم عن أبيه وأجاز له التدريس ذهب إلى الحج، وفي طريقه عبر عدة مدن وبلدات: شنقيط، وادنون، الصويرة، مراكش، الرباط، سلا، مكناس، طنجة، الاسكندرية، جدة، مكة، المدينة المنورة، رحلة مكنته من الاطلاع على أحوال العالم الإسلامي والمستجد فيه. كما  مكنته أيضا من ربط علاقات وطيدة بملوك الدولة العلوية وأمرائها وقادتها، ففي عودته مكث أياما في مكناس مع السلطان مولاي عبد الرحمن، ثم انتقل إلى مراكش حيث خليفته مولاي سيدي محمد.

كما استقبله كل من خليفة السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن وكذلك السلطان مولاي عبد الرحمن.رحلة مكنته من الاطلاع على أحوال العالم الإسلامي والمستجد فيه، ومن تطور الحياة وبلوغ الغرب أبواب الشرق بمدنيته وعلومه وتقدمه…، كما  مكنته أيضا من ربط علاقات وطيدة بملوك الدولة العلوية وأمرائها وقادتها، ففي عودته مكث أياما في مكناس مع السلطان مولاي عبد الرحمن، ثم انتقل إلى مراكش حيث خليفته سيدي محمد بن عبد الرحمان. ليعود بعدها ويتفرغ للتدريس والإفتاء خاصة بمدينة اقامته سمارة التي أصبحت منارة علم يحج اليها العديد من طلاب العلم الذين سيتتلمذون على يد الشيخ ماء العين. والحقيقة ان مناقب الشيخ ماء العينين الانسان والعالم متعددة تبرز مكانته العلمية وخاصة جهاده ضد المحتل الأجنبي للمغرب.

فالشريط إذن يربط الأجيال الحاضرة بماضيها خاصة في ما يتعلق بمفكريها وعلمائها الذين قدموا الشي الكثير لهذا البلد. من هنا تأتي أهمية هذا الفيلم الوثائقي في ربط الماضي بالحاضر في اطار سيرورة تاريخية وثقافية ينخرط فيها المشاهد تمكنه من رفع رصيده المعرفي والعملي وذوقه الفني الذي سنتطرق له في ما بعد.

ثانيا: الضيوف

فالفيلم يتميز بتنوع ضيوف الشريط (من أساتذة باحثين وعلماء) سواء من المغرب أو من موريتانيا، ثم الميزة الثانية هي مشاركة حفدة الشيخ ماء العينين الذين أضفوا على الشريط مصداقيته ومشروعيته العلمية حيث أنهم يعدون الورثة الحقيقيون لما خلفه الشيخ ماء العينين من إرث علمي وفكري وفقهي، إضافة الى زاويته. وهم يعتبرون أيضا امتدادا للمشروع العلمي لشيخهم ماء العينين رحمه الله الى يومنا هذا.

ولا شك أن عائلة ماء العينين كبيرة ومتفرعة يصعب على كل مخرج يريد أن يوثق لشيخها أن يحصرها في البعض أو في فرع من فروعها، وهذا يشكل أحيانا عائقا في التعاطي مع سيرة أحد الأعلام أو الشخصيات العلمية أو التاريخية لبلد ما خصوصا عندما بتعلق الأمر بالاطلاع على الأرشيف أو بعض الوثائق والمخطوطات النادرة التي قد يتوفر عليها أحيانا فرد من أفراد تلك الشخصية.

لقد قدم ضيوف الفيلم مادة علمية دسمة استطاعت أن تعرف بصفة جامعة وشاملة بسيرة الشيخ ماء العينين العلمية واجتهاداته الفقهية، وشهادات قيمة وعميقة في حق هذا العالم الرباني والمجاهد الذي لم تثنيه شساعة الصحراء والبعد الجغرافي عن طلب العلم والدعوة اليه وملاقاة العلماء وتوحيد القبائل وانشاء المدارس فكان له تأثير علمي وصوفي في داخل المغرب وخارجه امتد الى عدة بلدان افريقية كالسودان ومشرقية كمصر وبعض دول الخليج.

ثالثا: المعالجة الفنية

من أهم مميزات هذا الشريط الوثائقي من وجهة نظر نقدية هي المعالجة الفنية التي تبناها المخرج للتعاطي مع موضوعه والتي من خلالها استطاع أن  لا يقع  في الرتابة والملل التكرار وتغليب النص على حساب الصورة أوعلى حساب المعطى الجمالي للصورة، وهو المشكل الذي غالبا ما يسقط فيه العديد من المخرجين، حتى يخيل الى المتفرج أنه في محاضرة علمية وليس فيعمل سينمائي الذي يخضع لمعايير وشروط فنية وتقنية يجب على المخرج ان يمثثل لها حتى يضمن مهنيته ومصداقيته السينمائية وفق رؤيته الإخراجية.

لقد استطاع المخرج عز العرب العلوي ان يشد المشاهد العربي لشريطه الوثائقي بفضل إبراز عوالمه الزمكانية والرمزية والجمالية. فالبنسبة للزمان لم يقتصر المخرج فقط على النهار الذي يعكس ضوءه الطبيعي وضوح الفكرة كما وضوح الصورة،  بل الليل أيضا الذي له سحره وجماله خاصة في الصحراء.

أما بالنسبة للأماكن سواء الداخلية أو الخارجية فقد جاءت متناغمة مع المادة العلمية المقدمة من طرف المتدخلين او من طرف المقدم-الراوي (off-stage commentary )، فقد تنوعت أماكن التصوير الداخلية (المسجد، رحاب الجامعات،  الزاوايا، ضريح الشيخ ماء العينين، خزانة الكتب والمكتبات…)، واماكن التصوير الخارجية  المتمثلة في مدينة شنقيط التاريخية الأسطورية منبع اصل الشيخ ماء العينين، ومدينة نواكشوط، وأيضا بعض المدن المغربية كالصويرة (وبحرها) وتزنيت وخاصة السمارة مهد دعوة ونضال العلامة الشيخ ماء العينين رحمة الله عليه، حيث أظهر الفيلم جمال ماثرها وبقايا مدرسة الشيخ، ولم يغفل المخرج أن  يبرز  جمال الصحراء وشساعة فضاءها (لقطات من فوق أو عن قرب)، هذا الفضاء الرباني الذي اغنى مخيلة الشيخ وجعله يسبح في ملكوت الله ناهلا من فيضه و عطاءاته ونعمه اللامتناهية، خاصة نعمة الذكر والعلم والدعوة الى الخير. فلم تكن تلك الصحراء الوعرة القفر ولكنها صحراء معطاءة وجميلة، وقد تم توظيف كل عناصرها: الجمل والخيام والنار والاثار والنخل ثم الترحال. فكما لم يخلو المكان من شاعرية ورمزية جاءت الصورة مفعمة بدلالاتها الأيقونية والسيميائية التي تعززت بفضل اختيار أو معالجة الوان الفيلم (البياض والسواد والزرقة) التي  تساهم في خلق الجو العام للشريط، وهي ألوان حية، ناصعة و”ساخنة” كنصاعة وسخونة الصحراء وحيوية مسار العالم الشيخ ماء العينين. حيوية الألوان رافقتها حيوية الموسيقى وتنوع إيقاعاتها التي تجد مصدرها في العمق الإفريقي الصحراوي وأحيانا الأسيوي. مما جعل الفيلم سلسا ومنسابا غير متعب لعين المتلقي أو سمعه.

ومن رمال الصحراء الى رمال الرسم والإبداع حيث كانت فكرة الاستعانة بالرسم بالرمل (على الزجاج) الذي يعد من الفنون التشكيلية البصرية العصرية، فكرة جيدة وذكية من طرف المخرج للتركيز من جهة على مسألة الإبداع داخل الإبداع (السينما والرسم)، ثم لإبراز تيمة الرمل الذي له علاقة بالصحراء وإنسان الصحراء. ثم من جهة أخرى لتكسير حاجز الملل الذي قد تسببه وفرة المادة العلمية، فضلا عن إعطاء ايقاعا حركيا للفيلم كما نرى في العديد من الافلام الوثائقية العالمية. على أن للرسم بالرمل في الشريط وظيفة درامية حيث أن الرسومات جاءت إما مكملة لمحطات حياة الراحل أو بعض الأحداث التي عاشها، ووظيفة تجسيدية بحيث تعكس أو تجسد ما جاء في التعليق.

كما ان اللجوء الى الرسم بالرمل،  إلى جانب الصور الفوتوغرافية القديمة (كوثيقة لها شرعيتها) وتقنيات التحريك، يعد وسيلة ناجعة استطاع من خلالها المخرج أن يتخطى العائق المادي الذي يكون غالبا عثرة  في السفر الى كل البلدان التي زارتها شخصية الشريط كما الحال مع شيخنا ماء العين رحمة الله عليه الذي زار السعودية من أجل الحج ، و مصر من أجل الوقوف على معالمها وعلومها. ثم تصوير المعارك مثلا التي خاضها الشيخ ضد المستعمر، طبعا في غياب الأرشيف الذي قد يغني أحداث الشريط.

فكما هو معلوم مثل هذه الأشرطة  الوثائقية التي تنكب على السيرة الذاتية لعالم تحتاج أحيانا إلى تمويل ضخم حتى يحيط المخرج بكل جوانبها التاريخية والجغرافية والعلمية والتوثيقية، فلكي يضمن المخرج نجاح فيلمه ويحقق السبق العلمي (من خلال العثور على وثائق قيمة حيث تكون المرة الأولى التي يراها المشاهد) يضطر أحيانا لشراء بعض الوثائق النفيسة او السفر إليها في بلدان بعيدة.

إلى جانب الرسم بالرمل كمعطى فني تمت الإشارة أيضا الى فن الخط العربي من خلال بعض المخطوطات التي عرضها الفيلم، والمشاهد العربي يعرف مدى المكانة التي يحظى بها  فن الخط وفن المخطوطات في الحضارة العربية الإسلامية.

كل هذه العناصر الفنية ساهمت في إبرازالرؤية الجمالية  والكشف عن جوانبها الرمزية والواقعية من طرف المخرج عند تطرقه لموضوع فيلمه.

رابعا: حضورالمرأة

ويتجلى هذا الحضور على مستويين: الأول من خلال شهادة المتدخلتين: حفيدة الشيخ ماء العينين (د.العالية ماء العينين) والأستاذة الجامعية دة. الراجي اللتان ساهمتا في إبراز حوانب أخرى من حياة الشيخ ماء العينين خاصة في ما يتعلق بتعامل الشيخ مع عائلته وزوجته وأيضا جهاده ضد المحتل الأوروبي.

المستوى الثاني من خلال حضور المرأة كموضوع في فكر وشعر الشيخ ماء العينين الذي كان يرسل أشعارهلزوجته عند غيابه عنها. وكما جاء في الشريط فإنه كان يؤمن بدور المرأة في المجتمع وضرورة تحصيلها للعلم. كما كان يساعد النساء على الزواج بالهبات وإعطاء المهور.  وهذا يكفي لضحض ما يروج له إعلاميا واجتماعيا من أن المرأة مهمشة عند العلماء والفقهاء ولا تحظى بأي مكانة في الثقافة العربية الإسلامية. فالفيلم يبرز جليا دور المرأة عند الشيخ ماء العينين كشريكة حياة وكشريكة مشروعه العلمي من خلال الرسائل التي كان يبعثها  الى زوجته لأخذ رأيها وتقاسم أفكاره معها.

 خاتمة

في عصر طبع بالصورة و”جبل” عليها وجعلها وسيلة تواصله الفضلى والمثلى، للشريط الوثائقي (أو فيلم الواقع كما يحب البعض تسميته) دور كبير في تقريب المشاهد من واقعه وتسليط الضوء على محيطه الاجتماعي والبيئي والعلمي والتاريخي وأيضا على قضاياه الوجودية واهتماماته ومشاكله اليومية. وبالنسبة للوطن العربي الذي يعرف الكتاب فيه تراجعا مهولا وتراجعا في نسبة القراءة، فالشريط الوثائقي يعد متنفسا ووسيلة ناجعة من جهة للتطرق لقضايا الأمة ولتاريخها المجني عليه ولأعلامها ومفكريها ومناضليها،  ومن جهة أخرى للتصدي لمشروع التفاهة والمسخ وفصل الذاكرة الجماعية عن مقوماتها الحضارية والثقافية والدينية، التي انخرطت فيها قنواتنا التلفزية العربية، دون إغفال طغيان الوسائل الرقمية التي تكرس تفاهة المحتويات التي تقدمها. و طغيان عولمة متوحشة لا تؤمن بالخصوصيات الثقافية والحضارية للشعوب وخاصة الشعوب العربية.

من هذا المنطلق يمكن القول ان شريط ” الشيخ ماء العينين الإمام المجاهد والعالم الرباني”يسلط الضوء على صفحات مشرقة من النبوغ المغربي عبروجه من الوجوه العلمية المغربية المضيئة في سماء العلم والتصوف والمقاومة المعنوية والمادية، والذي أخرج في قالب سينمائي أعاد للصورة دورها الفني وجماليتها وغايتها الرسالية في ايصال الفكرة دون إغفال الجانب التقني المحض، وقلما ينجح المخرجون في المزج بين هذين الجانبين التقنية والمضمون او الفكرة والفنية. فعادة ما يكون إبراز جانب على حساب جانب اخر. وبالتالي يعد هذا الشريط من الأفلام الوثائقية المتميزة (شكلا ومضمونا) التي تطرقت لشخصية الشيخ ماء العينين ولعطاءاته العلمية والدينية، والتي أثبتت على  أن المغرب من جنوبه الى شماله ومن شرقه الى غربه كان متلاحما دينيا واجتماعيا وثقافيا، وأن أهل الصحراء بمختلف قبائلهم ونسبهم حافظوا على هذا الامتداد الحضاري وعلى هذه الروابط الثقافية والروحية متصدين بذلك لمحاولات التفرقة والانفصال من طرف الاستعمار الأجنبي وعملائه.

شارك المقال شارك غرد إرسال