في زمن أصبحت فيه خدمة الإنترنت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، سواء بالنسبة للمواطن أو الطالب أو المهني أو المقاولة، لم يعد ضعف الصبيب أو الانقطاع المتكرر مجرد عطل تقني عابر، بل أصبح بالنسبة للكثير من المشتركين مشكلة حقيقية تعطل مصالحهم وتؤثر على عملهم ودراستهم وتواصلهم.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، وبصوت واضح: ماذا يحدث عندما يؤدي المشترك واجباته كاملة في موعدها، بينما لا يحصل في المقابل على الخدمة التي يؤدي ثمنها؟
عدد من المواطنين يشتكون من ضعف صبيب الإنترنت، وانقطاع الخط بشكل متكرر، وأحياناً لساعات أو أيام، رغم استمرار الفواتير في الوصول واستمرار مطالبة المشترك بأداء واجباته في آجالها.
المواطن هنا لا يطلب خدمة مجانية، ولا يبحث عن امتياز خاص؛ هو يؤدي مقابلاً مالياً مقابل خدمة يفترض أن تكون مستقرة وذات جودة مقبولة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المشتركين يجدون أنفسهم أمام رحلة طويلة من الاتصالات بمصلحة خدمة الزبناء، والانتظار، وتسجيل الشكايات، ثم الانتظار من جديد، دون أن يحصلوا دائماً على تفسير واضح حول سبب العطب أو موعد حقيقي لإصلاحه.
فإذا كان التأخر في أداء الفاتورة يؤدي إلى إجراءات سريعة تجاه المشترك، فلماذا لا تكون هناك بالقدر نفسه مسؤولية واضحة عندما لا تقدم الشركة الخدمة المتعاقد عليها بالمستوى المطلوب؟
الموضوع لا يتعلق بشركة واحدة بالضرورة، ولا يعني أن كل انقطاع سببه تقصير من شركات الاتصالات، فالأعطاب التقنية والحوادث والأشغال وأسباباً أخرى قد تؤثر على الشبكات.
لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يتحول العطل إلى معاناة متكررة، دون توضيح كافٍ أو معالجة فعالة أو تواصل مسؤول مع المشترك.
والأرقام الرسمية تؤكد أن موضوع جودة الخدمات ليس مجرد انطباع فردي.
فقد أعلنت الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات أن 64 في المائة من الشكايات التي توصلت بها خلال سنة 2024 كانت مرتبطة بجودة الخدمة.
كما تشير بيانات الوكالة إلى أن الشكايات تشمل خدمات الإنترنت بمختلف أنواعها.
وهنا يبرز سؤال أكبر من مجرد ضعف الصبيب:
أين تبدأ مسؤولية شركات الاتصالات؟ وأين تنتهي؟ ومن يراقب احترام حقوق ملايين المشتركين؟ ومن يحاسب عندما تتكرر المشاكل دون حل؟
الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات تستقبل شكايات المستهلكين المتعلقة بخدمات الاتصالات، كما توفر قنوات لتقديم الشكايات وتتبعها، وهو ما يؤكد وجود آليات مؤسساتية لحماية المستهلك.
لكن المطلوب اليوم ليس فقط استقبال الشكايات، وإنما أيضاً تعزيز ثقافة المساءلة والشفافية وجودة الخدمة.
فالمشترك ليس مجرد رقم في قاعدة بيانات الشركة، وليس مجرد فاتورة شهرية يتم استخلاصها في موعدها. إنه مستهلك له حقوق، ومن حقه أن يعرف لماذا انقطعت الخدمة، ومتى ستعود، وما الإجراءات المتخذة لتفادي تكرار المشكلة.
كما أن من حق الرأي العام أن يعرف: هل توجد معايير واضحة وفعالة لقياس جودة الإنترنت؟ وهل تتم مراقبة مدى احترامها؟ وماذا يحدث عندما تتكرر الاختلالات؟ وهل يحصل المتضررون على تعويض أو معالجة عادلة عندما يكون الانقطاع أو الخلل خارجاً عن المدة المقبولة؟
المعادلة بسيطة: إذا كان المواطن ملزماً بأداء ثمن الخدمة، فمن الطبيعي أن تكون هناك مسؤولية مقابلة لضمان جودة هذه الخدمة.
المغرب قطع أشواطاً كبيرة في ، لأن الإنترنت اليوم ليس رفاهية… وإنما خدمة أساسية، ومن يدفع ثمنها من حقه أن يحصل عليها كما ينبغي.



