شريط الاخبار
Election 2026
Election 2026

25 عاماً بعد تدمير البرجين.. كيف تغيّر النظام العالمي منذ 11 سبتمبر 2001؟

هجمات 11 سبتمبر
Election 2026

بعد 25 عاماً على هجمات 11 سبتمبر 2001 وتدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، لم يعد العالم الذي دخل الألفية الجديدة هو نفسه. فقد أعادت “الحرب على الإرهاب” رسم أولويات الأمن الدولي، ودفعت الولايات المتحدة إلى حربي أفغانستان والعراق، ووسّعت التعاون الاستخباراتي والأمني، قبل أن تتراجع هيمنة مكافحة الإرهاب تدريجياً أمام صعود الصين وعودة روسيا والمنافسة بين القوى الكبرى. وفي الذكرى الخامسة والعشرين، يبدو النظام العالمي أكثر تعددية وتنافساً، لكنه أيضاً أكثر هشاشة وتعقيداً.

وفي الذكرى الخامسة والعشرين، تحيي الولايات المتحدة وحلفاؤها ذكرى ما يقارب 3 آلاف ضحية من أكثر من 90 دولة، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن مكافحة الإرهاب ما تزال “مهمة مشتركة غير مكتملة”.

من لحظة أحادية القطب إلى عالم أكثر تنافساً

عندما وقعت هجمات 11 سبتمبر، كانت الولايات المتحدة تتمتع بموقع قوة استثنائي عقب انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن الرد الأميركي على الهجمات أدخل السياسة الخارجية الأميركية في مرحلة جديدة، أصبحت فيها مكافحة الإرهاب محوراً مركزياً للقرار الأمني والعسكري.

بدأت الحرب في أفغانستان عام 2001 بهدف إسقاط نظام طالبان الذي كان يؤوي تنظيم القاعدة، ثم جاءت حرب العراق عام 2003، لتتوسع الحرب على الإرهاب من مطاردة تنظيم عابر للحدود إلى سلسلة من التدخلات العسكرية والسياسية والأمنية.

وبمرور السنوات، أصبح واضحاً أن التفوق العسكري الأميركي لم يكن كافياً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق التصورات التي سادت في واشنطن مطلع القرن.

وتشير مراجعات حديثة نشرها مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) بمناسبة الذكرى إلى أن الاستجابة لهجمات 11 سبتمبر حققت تقدماً في الاستخبارات والأمن الداخلي والتعاون الدولي، لكنها أدت في المقابل إلى توسع عسكري مكلف وإلى تحويل قدر كبير من السياسة الخارجية الأميركية نحو مكافحة الإرهاب.

أفغانستان والعراق.. عندما اصطدمت القوة العسكرية بالواقع السياسي

كان الغزو الأميركي لأفغانستان بداية أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها الحديث، وانتهى الانسحاب الأميركي عام 2021 بعودة طالبان إلى السلطة.

أما العراق، فقد أصبح واحداً من أبرز الأمثلة على حدود القوة العسكرية في تغيير الأنظمة السياسية وإعادة بناء الدول.

وبعد 25 عاماً، لا ينظر كثير من الخبراء إلى “الحرب على الإرهاب” باعتبارها نجاحاً أو فشلاً مطلقاً، بل باعتبارها تجربة أعادت تشكيل النظام الدولي نفسه.

فقد نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في إضعاف قدرات تنظيم القاعدة والقضاء على عدد كبير من قياداته، وصولاً إلى مقتل أسامة بن لادن عام 2011. لكن التنظيم لم يختفِ، بل أعاد بناء نفسه عبر فروع إقليمية، خصوصاً في أفريقيا وجنوب آسيا والشرق الأوسط. وتؤكد رويترز، في تحليل نشرته في 10 سبتمبر، أن القاعدة اليوم أضعف مما كانت عليه في ذروة نفوذها، لكنها ما تزال شبكة مؤثرة عبر فروعها الإقليمية.

من عدو واحد إلى تهديدات متعددة

أحد أبرز التحولات خلال ربع قرن هو أن الولايات المتحدة لم تعد تواجه تنظيماً واحداً بالطريقة التي واجهت بها القاعدة عام 2001.

ظهرت تنظيمات أكثر تعقيداً، أبرزها تنظيم الدولة الإسلامية، بينما توسعت فروع الجماعات الجهادية في مناطق مثل الساحل الأفريقي واليمن والصومال وجنوب آسيا.

لكن طبيعة التهديد تغيرت أيضاً.

فالإرهاب لم يعد يعتمد فقط على معسكرات التدريب وشبكات التمويل التقليدية، بل انتقل بدرجة كبيرة إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أداة للتجنيد والدعاية ونشر التطرف.

ويحذر تحليل حديث لمجلس العلاقات الخارجية من أن التطور التكنولوجي، والطائرات المسيّرة، ومنصات التواصل الاجتماعي، والقدرة على نشر الدعاية والتضليل، خلقت بيئة تهديد مختلفة جذرياً عن بيئة 2001.

الأمن قبل كل شيء.. إرث 11 سبتمبر

ربما كان أحد أكثر آثار 11 سبتمبر استدامة هو التغيير العميق في مفهوم الأمن.

فبعد الهجمات، توسعت صلاحيات أجهزة الاستخبارات والأمن، وتشددت إجراءات السفر والمطارات، وتزايد تبادل المعلومات بين الدول، وأصبحت مكافحة تمويل الإرهاب ومراقبة حركة الأشخاص والأموال جزءاً أساسياً من التعاون الدولي.

وعلى المستوى الدولي، أقر مجلس الأمن في أعقاب الهجمات ترتيبات جديدة لمكافحة الإرهاب، بينما طورت الأمم المتحدة استراتيجية عالمية لمكافحة الإرهاب أُقرت عام 2006 وأصبحت إطاراً دولياً مستمراً تتم مراجعته دورياً.

وفي يوليو 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بشأن المراجعة التاسعة للاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب، في تأكيد على استمرار التعاون الدولي، ولكن مع الاعتراف بتغير طبيعة التهديدات.

لكن الأمن جاء بثمن سياسي وحقوقي

لم يكن التحول الأمني بلا تكلفة.

فالحرب على الإرهاب أثارت جدلاً واسعاً بشأن الاعتقال، والتعذيب، والرقابة، والخصوصية، واستخدام القوة خارج مناطق الحرب التقليدية.

كما ساهمت التدخلات العسكرية الطويلة في إضعاف صورة الولايات المتحدة في أجزاء من العالم، وأثارت أسئلة بشأن حدود القوة الأميركية ومدى توافق بعض الإجراءات مع القانون الدولي.

ويرى عدد من الخبراء الذين شاركوا في مراجعة دولية نشرها مجلس العلاقات الخارجية بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين أن الاستجابة الأميركية للحادي عشر من سبتمبر أضعفت، في بعض جوانبها، الثقة في النظام الدولي الذي كانت الولايات المتحدة نفسها من أبرز مهندسيه.

صعود الصين.. التحول الذي لم يكن في حسابات 11 سبتمبر

بينما كانت الولايات المتحدة منشغلة بالحروب في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، كانت الصين تتحول تدريجياً إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية وجيوسياسية كبرى.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في حصيلة ربع قرن: الهجمات التي دفعت واشنطن إلى التركيز على الإرهاب الدولي لم تمنع انتقال مركز الثقل الاستراتيجي العالمي نحو المنافسة بين القوى الكبرى.

اليوم، لم تعد مكافحة الإرهاب هي القضية الوحيدة التي تحدد أجندة الأمن الدولي. فالمنافسة الأميركية الصينية، والتكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل الإمداد، والرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والتجارة، والطاقة، أصبحت كلها عناصر في الصراع على النفوذ العالمي.

وفي الوقت نفسه، عادت روسيا إلى لعب دور أكثر صدامية في النظام الدولي، خصوصاً منذ الحرب في أوكرانيا، لتصبح المنافسة بين القوى الكبرى جزءاً مركزياً من الأمن الأوروبي والعالمي.

من الهيمنة الأميركية إلى التعددية القطبية

بعد نهاية الحرب الباردة، بدا النظام الدولي أقرب إلى هيمنة أميركية واسعة. أما بعد 25 عاماً من 11 سبتمبر، فالصورة أكثر تعقيداً.

الصين أصبحت قوة اقتصادية وسياسية كبرى، وروسيا استعادت جزءاً من قدرتها على تحدي الغرب، بينما تسعى دول مثل الهند والبرازيل ودول أخرى إلى مساحة أكبر في صياغة قواعد النظام الدولي.

ويعكس توسع مجموعة “بريكس” هذا الاتجاه؛ إذ تضم المجموعة اليوم عدداً أكبر من الاقتصادات الناشئة، وتمثل كتلة ضخمة من سكان العالم وحصة كبيرة من الاقتصاد العالمي وفق تعادل القوة الشرائية، مع سعي أعضائها إلى تعزيز مؤسسات وآليات تعاون خارج الهيمنة الغربية التقليدية. ومع ذلك، فإن الخلافات بين أعضائها تجعل تحولها إلى تحالف سياسي موحد أمراً غير مضمون.

وهكذا، لا يبدو العالم أمام انتقال بسيط من “نظام أميركي” إلى “نظام صيني”، بل أمام نظام متعدد المراكز تتنافس داخله قوى كبرى ومتوسطة على النفوذ.

روسيا والصين.. مستفيدان من مرحلة ما بعد 11 سبتمبر؟

لا يمكن القول إن صعود الصين أو عودة روسيا كانا نتيجة مباشرة لهجمات 11 سبتمبر. لكن انشغال الولايات المتحدة بحرب طويلة على الإرهاب ساهم في إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية.

وتشير تحليلات منشورة في الذكرى الخامسة والعشرين إلى أن الحرب على الإرهاب كشفت حدود القدرة الأميركية على تحويل التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي مستدام، بينما واصلت قوى أخرى بناء قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.

وفي المقابل، لم تختفِ الولايات المتحدة من موقع القوة العالمية. فهي ما تزال لاعباً عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً مركزياً، فيما يظل حلف شمال الأطلسي أحد أهم ركائز الأمن الغربي.

ويؤكد إحياء الناتو للذكرى الخامسة والعشرين في مقره ببروكسل، اليوم الجمعة، استمرار البعد الاستراتيجي للهجمات في تاريخ الحلف؛ إذ يستحضر التحالف تفعيل المادة الخامسة للمرة الأولى في تاريخه بعد هجمات 2001.

الإرهاب لم يعد مركز النظام الدولي.. لكنه لم ينتهِ

المفارقة الأساسية بعد ربع قرن هي أن الإرهاب لم يعد القضية التي تختزل السياسة الدولية، لكنه لم يختفِ.

وتقول رويترز إن تنظيم القاعدة تراجع عن موقعه الذي كان يحتله في بداية القرن، خصوصاً بعد صعود تنظيم الدولة الإسلامية، لكنه لا يزال يمتلك فروعاً ناشطة في مناطق مختلفة من العالم.

أما في أفريقيا، فقد أصبحت مناطق مثل الساحل مسرحاً مهماً لنشاط الجماعات المتطرفة، في وقت تتراجع فيه بعض القدرات الدولية التقليدية لمكافحة الإرهاب.

وتشير مراجعة الخبراء التي نشرها مجلس العلاقات الخارجية إلى تحول جغرافي مهم في التهديد الإرهابي، مع بروز الساحل الأفريقي كواحد من أبرز مراكز النشاط الإرهابي العالمي.

التكنولوجيا.. الجبهة الجديدة بعد ربع قرن

إذا كانت الطائرات المدنية هي الأداة التي استخدمت في هجمات 2001، فإن التكنولوجيا اليوم فتحت أبواباً جديدة أمام المخاطر الأمنية.

الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والتشفير، والمنصات الرقمية، والتزييف العميق، والخوارزميات القادرة على توجيه المحتوى، كلها أصبحت جزءاً من معادلة الأمن الدولي.

ولهذا لم تعد الدول تبحث فقط عن كيفية منع تنظيم إرهابي من امتلاك السلاح، بل عن كيفية منع أفراد أو مجموعات صغيرة من استخدام أدوات متاحة تجارياً لتنفيذ هجمات ذات تأثير كبير.

وهنا يبرز تحدٍ جديد: كيف تحارب الدول الإرهاب من دون تحويل الفضاء الرقمي إلى مجال دائم للمراقبة؟

ماذا بقي من عالم 11 سبتمبر؟

بعد 25 عاماً، يمكن رصد خمسة تحولات كبرى:

الأمن أصبح محوراً أساسياً للسياسة الدولية، وليس ملفاً ثانوياً.
القوة العسكرية الأميركية واجهت حدوداً عملية وسياسية في أفغانستان والعراق.
انتقل الإرهاب من تنظيم مركزي إلى شبكات وفروع وتهديدات رقمية أكثر تشتتاً.
صعدت الصين وعادت روسيا إلى قلب المنافسة الدولية، لتصبح مواجهة القوى الكبرى أكثر أهمية من الحرب على الإرهاب وحدها.
انتقل العالم من لحظة أحادية القطب إلى نظام أكثر تعدداً للمراكز، لكنه أكثر هشاشة.
25 عاماً.. هل أصبح العالم أكثر أمناً؟

الإجابة ليست بسيطة.

من جهة، لم تتكرر هجمات بحجم 11 سبتمبر على الأراضي الأميركية، وتطورت آليات تبادل المعلومات والاستخبارات والتعاون الدولي بشكل كبير.

ومن جهة أخرى، لم يختفِ الإرهاب، بل تغير شكله ومناطقه وأدواته. كما أن النظام الدولي نفسه أصبح أكثر اضطراباً، مع صعود المنافسة الأميركية الصينية، والحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات المستمرة في الشرق الأوسط، وتنامي التهديدات السيبرانية والتكنولوجية.

بل إن خبراء أميركيين حذروا في سبتمبر 2026 من تراجع أولوية مكافحة الإرهاب داخل أجندة الأمن القومي الأميركية، في وقت تتزايد فيه تهديدات جديدة وقديمة معاً.

الخلاصة: 11 سبتمبر غيّر العالم.. لكن العالم غيّر نفسه أيضاً

بعد ربع قرن، يصعب اختزال إرث 11 سبتمبر في الحرب على الإرهاب أو في سقوط برجي مركز التجارة العالمي.

لقد كان ذلك اليوم بوابة إلى مرحلة تاريخية جديدة: مرحلة توسعت فيها الدولة الأمنية، وتغيرت فيها طبيعة الحروب، وتداخل فيها الأمن مع التكنولوجيا، وتراجعت فيها الحدود بين الحرب التقليدية والتهديدات غير المتماثلة.

لكن التحول الأهم ربما لم يكن في صعود الإرهاب بقدر ما كان في انكشاف حدود القوة الأميركية نفسها.

فالعالم الذي خرج من صدمة 11 سبتمبر لم يعد العالم أحادي القطب الذي دخل القرن الحادي والعشرين. وبعد 25 عاماً، تقف الولايات المتحدة أمام منافسين أقوى، بينما تتقدم الصين، وتستعيد روسيا دوراً أكثر صدامية، وتطالب قوى صاعدة بموقع أكبر في صناعة قواعد النظام الدولي.

وفي هذه البيئة، تبدو المهمة الأصعب أمام العالم ليست فقط منع تكرار 11 سبتمبر، بل إدارة نظام دولي متعدد القوى من دون الانزلاق إلى صراع مفتوح بينها.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية:
هجمات 11 سبتمبر أرادت أن تهز القوة الأميركية، لكنها أطلقت سلسلة من التحولات التي غيّرت بنية النظام العالمي بأكمله. وبعد ربع قرن، لم يعد السؤال فقط: ماذا فعل الإرهاب بالعالم؟ بل أيضاً: ماذا فعل رد العالم على الإرهاب بالعالم؟

Election 2026