
ليست كل الجراح ترى بالعين، فهناك جراح تتركها الأيام في القلوب قبل الوجوه، وتترك آثارها في النفوس قبل الأجساد. وبين هاتين الصورتين، تقف قصة أم دفعت ثمن محنة ابنها بكل ما تملك من صبر وقوة، حتى انعكس الألم على صحتها وملامحها.
في الصورة الأولى، تبدو الأم إلى جانب ابنها بابتسامة يغمرها شيء من الطمأنينة، أما في الصورة الثانية، فتظهر عليها علامات التعب والإرهاق بعد أشهر عصيبة عاشتها وهي تحمل همَّ ابنها الذي قضى ثلاثة أشهر داخل السجن. لم تكن هي من دخل السجن، لكنها كانت تعيش تفاصيل تلك المحنة لحظة بلحظة، حتى أصبح الحزن رفيقها الدائم، وأثّر ذلك في حالتها النفسية والجسدية بشكل واضح.
إن الأم لا تحتاج إلى قضبان حتى تشعر بالأسر، فحين يتألم ابنها، يصبح قلبها هو السجين الحقيقي. تمر الأيام عليها ثقيلة، وتتحول ساعات الإنتظار إلى سنوات من القلق والخوف والدعاء، ولا يشغلها سوى أن ترى فلذة كبدها بخير.
ورغم قساوة التجربة، فإن هذه الرسالة ليست دعوة إلى الخصومة أو تأجيج الخلافات، بل هي دعوة إلى الرحمة والإنسانية. فالإختلاف في الرأي لا ينبغي أن يحول أبناء الوطن الواحد إلى خصوم، لأن ما يجمع المغاربة أكبر من أي خلاف، ويظل حب الوطن وإحترام مؤسساته والعمل من أجل مصلحته مسؤولية مشتركة.

إن ما حدث كان درسا قاسيا، لكنه أكد حقيقة لا يختلف عليها اثنان: أن أكبر المتضررين من أي محنة هم الآباء والأمهات، لأنهم يحملون الألم بصمت، ويخفون دموعهم حتى لا يزداد أبناؤهم وجعًا.
واليوم، لا يبقى سوى الدعاء بأن يعوض الله كل أم أنهكها الحزن، وأن يرد إليها عافيتها وطمأنينتها، وأن يحفظ جميع الأسر المغربية من كل ابتلاء، وأن يديم على وطننا نعمة الأمن والإستقرار، ويجمع القلوب على الخير والمحبة.
اللهم احفظ أمي، وألبسها لباس الصحة والعافية، واجعل ما أصابها رفعةً لها في الدنيا والآخرة، وأبعد عنا كل شر، وأصلح ذات بين أبناء هذا الوطن. قد نختلف في وجهات النظر، لكننا نبقى أبناء المغرب، يجمعنا حب هذا الوطن، وتظل غايتنا جميعًا أن يبقى شامخًا، عزيزًا، وآمنًا، تحت شعارنا الخالد: الله، الوطن، الملك.




