هل هكذا تُبنى المدن؟ مشهد التسوّل السياسي أمام مقر جماعي بمكناس يثير الاستيا
في مشهد يبعث على الأسف والاستغراب، شهد محيط إحدى الدورات الجماعية بمدينة مكناس، خلال الأيام الأخيرة، تجمهر عدد كبير من الأشخاص في انتظار خروج رئيس المجلس الجماعي. لكن، خلافًا لما يُفترض في مثل هذه اللحظات من وعي مدني ونضج اجتماعي، لم يكن الهدف نقل معاناة الساكنة، ولا المطالبة بمشاكل الحي، ولا حتى تقديم مقترحات تخدم الصالح العام، بل كان الدافع — حسب المعاينات المتداولة — هو طلب المساعدات والتسوّل بأساليب تسيء لصورة المدينة وشبابها.
لم يكن المشهد سياسيًا ولا نضاليًا، بل كان أقرب إلى حالة من التبعية والانتظارية، حيث تَحوّل بعض الشباب إلى طابور طويل من الأيادي الممدودة، وكأن المدينة لا تُبنى بالعمل والاجتهاد والمبادرات، بل بالعطايا والوساطات والصدقات الموسمية. مشهد محزن يعكس خللًا عميقًا في القيم المجتمعية وفي مفهوم المواطنة، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول واقع الوعي الجماعي بمدينة لها تاريخ عريق كمكناس.
حين يرى الزائر أو العابر هذا المنظر، فإن أول سؤال يتبادر إلى الذهن:
أي صورة عن شباب مكناس تُصدَّر اليوم؟
هل هم شباب مبادرون، حالمون، طموحون؟
أم تحوّلوا، بفعل الهشاشة والبطالة واليأس، إلى باحثين عن فتات هنا أو مساعدة هناك؟
لا شك أن المسؤولية لا تقع على هؤلاء فقط، بل هي نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية وسياسية، غير أن الاستمرار في تطبيع مثل هذه الظواهر لن يزيد المدينة إلا تراجعًا، ولن يجعلها أبدًا قاطرة للتنمية كما نُريدها جميعًا.
إن التقدم، كما هو معروف، لا يُصنع بالاتكال ولا بالانتظار أمام أبواب المسؤولين. التقدم يُبنى حين يتحمل كل واحد مسؤوليته من موقعه:
الشاب في عمله،
الأستاذ في مدرسته،
الصحافي في قلمه،
والمسؤول في منصبه.
أما ممارسات التجمهر لأجل التسوّل، فهي لا تخدم المدينة ولا كرامة أصحابها، بل تضرب في العمق صورة مكناس ومستقبلها.
ليست مكناس مدينة للتسوّل ولا للانتظارية، بل مدينة للتاريخ والعلم والحضارة. وما تحتاجه اليوم ليس مشاهد الاستجداء، بل مبادرات، مشاريع، فرص شغل، وتأطير حقيقي للشباب حتى يستعيد ثقته في نفسه وفي مدينته.
فهل من التفاتة حقيقية تعيد الاعتبار لكرامة شباب مكناس، أم سيظل المشهد يتكرر في كل دورة وخارج كل مقرّ؟

