لوّحت الجزائر بعدم التصويت على مشروع قرار مجلس الأمن المرتقب حول الصحراء الغربية، مؤكدة تمسكها بخيار الاستفتاء ورفضها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. هذه الموقفية، التي تكشفت عبر مصادر دبلوماسية في نيويورك، تطرح اليوم أكثر من سؤال حول منطق الموقف الجزائري وأبعاده الإقليمية والدولية.
وفي وقت تتجه دول كبرى إلى حشر خيار عملي داخل المسار الأممي عبر دعم مسودة قرار تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية «الأساس الأكثر جدية وواقعية»، تبدو الجزائر متمسكة بموقف تقليدي يصطدم بواقعية الخيارات السياسية الراهنة. هذا التمسك لا يكتفي برفض حل مصمم للتوافق، بل يسعى عملياً إلى إحباط جهود التقدم في إطار الأمم المتحدة، ما يعيد الإنتاج الدائم لأصل الأزمة بدلَ إخراجها من حلقة الجمود.
الاستفتاء الذي تصفه الجزائر بأنه السبيل الوحيد لتصفية الاستعمار، بات عملياً خياراً بعيد المنال بسبب تغير المعطيات على الأرض والتحولات الدبلوماسية التي شهدتها الساحة الدولية على مدار السنوات الماضية. إذ إن الإصرار على هذا الخيار، دون قبول مواقف بديلة قابلة للتطبيق، يحول ملف الصحراء إلى أداة توتر بدل أن يكون مدخلاً للحل، ويعرقل المبادرات التي تقترح توافقات مرحلية قابلة للتطبيق تُنهي حالة الصراع وتضمن استقرار المنطقة.
تحرك الجزائر الدبلوماسي، ومحاولاتها تحريك بنادق التحالفات الإقليمية والدولية (بما في ذلك مشاورات مع روسيا)، قد يفاقم منقاشات النفوذ الإقليمي ويحول نزاعاً قائماً إلى ساحة تنافس دولي بين قوى كبرى. هذا المسار لا يخدم استقرار المغرب العربي ولا يهيئ المناخ الملائم للاستثمار والتنمية في منطقتنا، بل قد يفتح أبواب توترات جديدة في الساحل والبحر المتوسط.
إذا أحيلت المسودة التي تدعم الحكم الذاتي إلى التصويت وصوتت الجزائر ضدها، فستظهر الموقف الأممي وقدرته على التكيف مع معطيات الواقع بمنظور صعب، أما استمرار الجزائر في تعطيل المسارات المتاحة فقد يضع الأمم المتحدة أمام معضلة بين الثبات على مبادئ تاريخية وصناعة حلول عملية قابلة للتنفيذ تُجنِّب المنطقة مزيداً من الجمود.
الدعوة هنا ليست إلى تجاهل الحق في الاختيار، بل إلى التمتع بواقعية سياسية تحوّل الخلاف إلى مفاوضات جادة بدلاً من وقائع إقصائية. موقف الجزائر الراهن، كما يبدو، يفضّل الاحتفاظ بورقة الخلاف على حساب استعادة الاستقرار والتنمية لمنطقة عانت طويلاً من تداعيات النزاع.
إن بلوغ حل نهائي يتطلب تنازلات متبادلة، ومرونة دبلوماسية تضع مصلحة الشعوب والإقليم فوق منطق الاستقطاب، وهو ما يُفترض أن تكون الجزائر طرفاً فاعلاً في تحقيقه لا معرقلاً.
