كشفت تقارير إخبارية أن وكالة التنمية الرقمية تستعد لرفع وتيرة استثماراتها في مشاريع التحول الرقمي، من خلال تخصيص 492 مليون درهم برسم سنة 2027، وفق ما كشف عنه تقرير المؤسسات والمقاولات العمومية المرفق بمشروع قانون المالية.
هذه الوكالة، وهي تستعد لهذا الأمر بمخصصات من أموال دافعي الضرائب، تتناسى أن قطاعا كبيرا من هؤلاء يغرق في طوابير الإدارات العمومية ويصطدم يوميا بعبارة “السيستم طايح”، وتطل علينا من برج عاجي، محملة بتقرير مالي فضفاض يفيض بالأرقام الفلكية والمنجزات الاستعراضية التي لا تجد لها في واقع المغاربة صدى ولا أثرا ملموسا.
ولعل نظرة خاطفة إلى التقرير الأخير للمؤسسات والمقاولات العمومية، المرفق بمشروع قانون المالية، تكشف عن مفارقات صارخة تؤكد أننا أمام مؤسسة برعت في “التهام” الميزانيات والتسويق لنجاحات افتراضية، بينما تعيش عجزا تدبيريا حقيقيا على مستوى الواقع الموضوعي.
فلغة الأرقام الصادرة عن الوكالة تفضح الخلل الكبير الذي يعتري الجانب التدبيري، حيث أكدت عدد من التقارير أنه في سنة 2025، قالت الوكالة إنها التزمت بنسبة 80% من ميزانيتها (حوالي 259 مليون درهم)، لكن الصدمة تكمن في أن الأداء الفعلي وصرف المستحقات توقفا عند عتبة 48% فقط، وهو السيناريو الذي تكرر في النصف الأول من سنة 2026، حيث بلغت الالتزامات 89%، بينما تجمدت الأداءات الفعلية في حدود 34%!
هذا الفارق الهائل بين ما هو مسطر على الورق وبين ما يصرف فعليا يعكس ارتباكا هيكليا في تدبير الصفقات، وبطئا غير مقبول في تنزيل المشاريع. ومع ذلك، وبدلا من الوقوف وقفة تأمل لمحاسبة الذات وإصلاح هذا الخلل البنيوي، نجد الوكالة تستعد “لرفع وتيرة استثماراتها” وضخ 492 مليون درهم برسم سنة 2027 تحت يافطة استراتيجية “المغرب الرقمي 2030”.
لذلك، حق لنا التساؤل: كيف لمؤسسة تعجز عن صرف نصف ميزانيتها الحالية أن تدبر بكفاءة نصف مليار درهم؟ أليس هذا هدرا ماليا معلنا وإغراقا لمؤسسة تعاني أصلا من تخمة الاعتمادات الجامدة؟
إضافة إلى كل هذا، يحدثنا التقرير بكثير من الفخر عن إدراج ثلاث خدمات جديدة ضمن منصة تبادل البيانات (رخص السياقة، الطاكسيات، البورصة)، وعن تطبيقات اعتمدتها 20 إدارة عمومية، لكن الحقيقة هي أن هذه المنجزات ليست سوى “ترقيع قطاعي” يعزز الاشتغال في جزر معزولة. وإلا فأين هي الإدارة الرقمية الموحدة التي تنهي البيروقراطية وجحيم الوثائق؟ بل إن الوكالة تعلن الآن، ونحن في أواخر 2026، عن الشروع في تطوير منصة “Assist Maroc” وحساب المرتفق الموحد، مما يؤكد أن الوكالة، وبعد سنوات من التمويل والإنفاق، تركت المواطن البسيط في آخر طابور الأولويات.
يتحدث التقرير أيضا بكثير من الفخر عن إدراج خدمات جديدة ضمن منصة تبادل البيانات (رخص السياقة، الطاكسيات، البورصة)، وتطبيقات مشتركة للإدارات. لكن مهندسي هذه التقارير يتناسون عمدا أن هذه الخدمات تسقط في فراغ مجتمعي؛ فأنت لا يمكن أن تبني إدارة رقمية فوق أساس من الأمية الأبجدية التي تناهز 30% بالمغرب، والأمية الرقمية التي تبتلع أكثر من نصف المجتمع.
أين هي خطط الوكالة لإدماج الملايين من المواطنين الذين لا يفكون خطا حاسوبيا ولا يملكون بريدا إلكترونيا؟ إن تركيز الوكالة على رقمنة المساطر الداخلية للإدارات دون محو أمية المرتفقين هو عملية “تجميلية” لواقع مشوه؛ والنتيجة هي تعميق “الفجوة الرقمية” وتكريس نوع جديد من الإقصاء الاجتماعي، حيث تحولت التكنولوجيا من وسيلة لتيسير الحياة إلى حاجز بيروقراطي جديد يعزل المواطن البسيط.
إن وكالة التنمية الرقمية لا تشكو شحا في الإمكانيات، بل تعاني من “تخمة في الميزانيات وأزمة حادة في النجاعة والحكامة”. إن الاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام ومضاعفة الاعتمادات المالية لأفق 2027، دون ربط المسؤولية بالمحاسبة ودون تقليص الفجوة المخجلة بين الالتزامات والأداءات، لن يصنع تحولا رقميا؛ بل سيصنع ببساطة مادة دسمة لتقارير قادمة للمجلس الأعلى للحسابات، وسيبقى المغرب الرقمي مجرد “سراب” نطارده في فضاء الافتراض بمليارات من واقع حقيقي وملموس!

