من خلال التأكيد على حتمية استفادة الساكنة المحلية من الآثار الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع المينائية الكبرى، يجدد الملك محمد السادس، التأكيد على توجه أساسي لرؤيته الاستراتيجية، المتمثل في جعل البنيات التحتية المهيكلة رافعات حقيقية للتنمية الجهوية والمجالية، وخلق الثروة، والتحسين الملموس لظروف عيش المواطنين.
ويترجم هذا التوجه الملكي السامي، الذي تم تجديد التأكيد عليه اليوم الأربعاء خلال جلسة عمل ترأسها جلالة الملك بالقصر الملكي بالرباط، وخصصت لتقدم الأشغال بالمركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط، وكذا لمشروع توسعة مركب طنجة المتوسط، طموحا يتجاوز بكثير الأداء الاقتصادي واللوجستي، ليشمل تنمية مندمجة ودامجة ومتوازنة، يجب أن تعود ثمارها بالنفع على كافة المجالات الترابية المعنية وتفتح آفاقا جديدة لساكنتها، وخاصة الشباب.
وفي ختام هذه الجلسة، شدد جلالة الملك على ” ضرورة أن يستفيد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع كافة الأقاليم المعنية، وأن تعود بالنفع على الساكنة المحلية ” داعيا جلالته إلى” تسريع تفعيل برامج تكوينية ملائمة لحاجيات الأنشطة الناشئة، بما يسهم في تيسير الإدماج المهني للشباب “.
ويعكس هذا الأمر المكانة المركزية التي يحتلها البعد البشري والمجالي في الرؤية المستنيرة لجلالة الملك، والتي تجعل من تحسين ظروف عيش المواطنين والتنمية المتوازنة للمجالات الترابية غايات أساسية للأوراش الكبرى المهيكلة بالمملكة.
فإلى جانب الاستثمارات المُعبأة، والتدفقات التجارية، والأداء الذي تم تحقيقه على صعيد التنافسية الدولية، تكمن الأهمية الحقيقية لهذه المشاريع، وفقا للرؤية الملكية، في قدرتها على إحداث آثار اقتصادية واجتماعية ملموسة تعود بالنفع على الساكنة، وتوفير آفاق مستقبلية جديدة للشباب، وخلق فرص للنمو لفائدة المقاولات والفاعلين الاقتصاديين المحليين. رؤية ملكية تتسم بالاستمرارية
تندرج جلسة العمل التي ترأسها جلالة الملك، اليوم الأربعاء، في إطار مقاربة استراتيجية معتمدة منذ أكثر من عقدين، تجعل من البنيات التحتية المينائية ركيزة للتحول الاقتصادي للمملكة وأداة لتنمية أقاليمها.
ففي 29 غشت 2002، ترأس جلالة الملك جلسة عمل خصصت لتنفيذ مشروع ميناء “طنجة المتوسط”، حيث أصدر توجيهاته السامية لإنجاز هذه البنية التحتية التي تهدف إلى تعزيز مكانة المغرب في المبادلات الاقتصادية الدولية.
وفي 26 أبريل 2007، مهدت جلسة عمل أخرى ترأسها جلالة الملك الطريق لتطوير قدرات مينائية إضافية على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، وهو ما شكل تمهيدا لعمليات التوسيع المتتالية لمركب “طنجة المتوسط”.
وقد تواصلت هذه الرؤية القائمة على الاستشراف والتكامل الترابي في 2 يوليوز 2009 بمدينة الناظور، حين أصدر جلالة الملك تعليماته السامية لإنجاز المركب المندمج الناظور غرب المتوسط (Nador West Med) ، الذي يجمع بين الأنشطة المينائية والصناعية والطاقية والتجارية.
ومؤخرا، في 28 يناير الماضي، ترأس جلالة الملك بالقصر الملكي بالدار البيضاء اجتماعا خصص لمتابعة مدى تقدم إنجاز هذا المشروع، وذلك في أفق دخوله مرحلة التشغيل.
وتجسد هذه السلسلة من جلسات العمل استمرارية رؤية ملكية قائمة على التخطيط طويل الأمد، والاستباق لتحولات التجارة العالمية، وتثمين المؤهلات الاقتصادية لمختلف جهات المملكة.
“الناظور غرب المتوسط” و”طنجة المتوسط 3″: آفاق جديدة للمجالات الترابية
مع تعبئة 54 مليار درهم من الاستثمارات العمومية والخاصة إلى حدود اليوم، يشكل مركب “الناظور غرب المتوسط” محطة جديدة في تجسيد هذا الطموح.
وسيوفر رصيفه الأول للحاويات، الذي ستدخل مرحلته الأولى حيز الاستغلال قريبا، طاقة استيعابية تصل عند نهاية الأشغال إلى 3.5 ملايين حاوية، في حين يرتقب أن يدخل رصيف ثان، بطاقة استيعابية تبلغ 1.8 مليون حاوية، الخدمة بحلول أبريل 2027.
غير أن أهمية هذا المركب لا تقتصر على أدائه المينائي فحسب؛ إذ تفتح أبعاده الصناعية واللوجستية والطاقية آفاقا جديدة لجهة الشرق، المدعوة إلى استقطاب استثمارات منتجة، وتطوير أنشطة اقتصادية جديدة.
وعلى المدى القصير، من المتوقع أن يتيح المشروع إحداث 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألفا غير مباشر، تنضاف إليها الفرص الناتجة عن تطوير البنيات التحتية للربط، لاسيما الخط السككي “سلوان – الناظور غرب المتوسط”، والطريق السيار “جرسيف – الناظور غرب المتوسط”.
وبالموازاة مع ذلك، فإن الإعلان عن انطلاق أشغال “طنجة المتوسط 3″، باستثمار يناهز 8 مليارات درهم وطاقة استيعابية إضافية تصل إلى 4.5 ملايين حاوية سنويا، سيفتح مرحلة جديدة في مسار تطوير مركب “طنجة المتوسط”، الذي قد تبلغ طاقته الإجمالية 20 مليون حاوية، في أفق تصنيفه ضمن أكبر عشرة موانئ في العالم.
وهكذا، يُسهم هذان المشروعان، المتكاملان في وظائفهما ومواقعهما الجغرافية، في تعزيز منظومة مينائية وطنية مندمجة قادرة على الرفع من تنافسية المملكة، مع تحفيز بروز أقطاب نمو جديدة.
تسخير النجاعة الاقتصادية لتحقيق تقدم اجتماعي شامل
يكمن جوهر الرؤية الملكية تحديدا في هذا الترابط بين الطموح الاقتصادي والتنمية الترابية، بين التنافسية الدولية وتحسين الأوضاع المعيشية على الصعيد المحلي.
من خلال دعوته إلى تسريع برامج التكوين المتوائمة مع الأنشطة الجديدة، يسلط صاحب الجلالة الضوء على رهان حاسم، يتمثل في تمكين شباب المناطق المعنية من الاستفادة الكاملة من الفرص التي تتيحها هذه الاستثمارات.
يتعلق الأمر، في هذا المنحى، بالعمل على أن تصبح المهن الجديدة، المينائية، الصناعية، اللوجستيكية والطاقية، روافع للاندماج المهني والارتقاء الاجتماعي.
ويقتضي هذا التوجه أيضا أن تعود هذه الدينامية المنبثقة من كبريات البنيات الأساسية بالنفع على النسيج الاقتصادي المحلي، وخصوصا المقاولات الصغرى والمتوسطة، وأن تساهم في تعزيز جاذبية الأقاليم المجاورة.
يكمن الرهان إذن في إدراج هذه المنجزات في سياق تحول اقتصادي واجتماعي أوسع، حيث يتعزز الاستثمار والتكوين والتشغيل والتنمية الترابية بشكل متبادل.
وفي سياق دولي تطبعه إعادة هيكلة سلاسل القيمة والمبادلات التجارية، تواصل المملكة بالتالي، تحت القيادة السديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تجسيد طموح يزاوج بين الانفتاح على العالم وتثمين مجالاتها الترابية.

