جورنال 24
السبت, 24 أكتوبر 2026
إعلان

لقجع يدافع عن مشروع مالية 2027: نموذج تنموي يوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية

قدّم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، الرؤية العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، مؤكداً أنه يمثل الخطوة الأولى في تنزيل البرنامج الحكومي على مدى خمس سنوات. وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تسعى إلى تحقيق توازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وانتظارات المواطنين الاجتماعية، مع مواصلة تثمين المكتسبات الدبلوماسية للمغرب في ملف الصحراء المغربية.

وأوضح الوزير، أمام البرلمان، أن تقييم التزام الحكومة بوعودها الانتخابية يتطلب نقاشاً موضوعياً لمحتوى القانون وإجراءاته، بعيداً عن الأحكام المسبقة والانتقادات المتسرعة. واعتبر أن السنة المالية المقبلة تشكل انطلاقة لمسار حكومي يجب أن تترجم أهدافه تدريجياً في سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم.

واستحضر لقجع التوجيهات الملكية الواردة في خطاب افتتاح السنة التشريعية، التي دعت إلى جعل الولاية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة بناء المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة. وشدد على أهمية الجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والمجالية، بما يضمن أن تعود ثمار النمو بالفائدة على الظروف المعيشية للمواطنين.

إعلان

وربط الوزير هذا التوجه بضرورة تجاوز الاختلالات التي سجلت خلال المرحلة السابقة، مشيراً إلى أن الخطاب المتعلق ببناء الدولة الاجتماعية لم يواكبه في بعض الجوانب تحسن يتناسب مع حجم تطلعات المواطنين. ودعا إلى إعادة النظر في العلاقة بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بدل اعتبارهما مسارين منفصلين.

وانتقد لقجع ما وصفه بتغليب منطق السوق على الاعتبارات الاجتماعية، معتبراً أن الفصل بين تحسين ظروف العيش والاختيارات الاقتصادية ساهم في اتساع ظواهر الاحتكار والريع والوساطة الطفيلية وثقافة الربح السريع. واستحضر مفهومي الرأسمالية المتوحشة والنيوليبرالية لتوصيف المخاطر المترتبة على إعطاء الأولوية للمصالح السوقية على حساب العدالة الاجتماعية.

وأكد أن بناء دولة اجتماعية قائمة على الإنصاف يتطلب الجمع بين تحفيز الاستثمار وخلق الثروة، وضمان توزيع أكثر عدالة لمنافع التنمية، بما يحد من الإقصاء ويعزز تكافؤ الفرص. وأبرز أن مشروع قانون المالية سيواجه اختباراً يتعلق بقدرة الاختيارات الاقتصادية على تحقيق نتائج اجتماعية ملموسة، لا الاكتفاء بتحقيق المؤشرات المالية والاقتصادية.

وبخصوص الانتقادات المتعلقة بالتزامات الحكومة الانتخابية، أشار الوزير إلى أن الانتخابات أفرزت تنافساً بين برامج متعددة، وأن نتائجها عكست تقدماً للمضامين الاجتماعية القائمة على التزامات وصفها بالواضحة والقابلة للتنفيذ. وشدد على أن الحكومة تستند إلى أرضية سياسية واجتماعية مشتركة بين مكوناتها، وإلى مرجعيات ديمقراطية وتحديثية، فضلاً عن التوجيهات الملكية والبرنامج الحكومي.

واتهم الوزير أطرافاً من المعارضة بالتسرع في إصدار الأحكام والترويج لادعاءات حول التراجع عن الوعود الانتخابية، خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ودعا إلى معارضة مسؤولة تقوم على النقاش الموضوعي وتحترم ذكاء المواطنين، مع التأكيد على أهمية الاختلاف السياسي في البناء الديمقراطي.

وفي الجانب الاجتماعي، أعلن لقجع عن حزمة من التدابير الهادفة إلى تحسين القدرة الشرائية للأسر وتوسيع الحماية الاجتماعية، تشمل رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 1700 درهم خلال سنة 2027، ومضاعفة معاشات الأرامل، وتحمل الدولة فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز قيمتها 100 درهم، إلى جانب الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر ليصل إلى 1000 درهم في أفق سنة 2031.

وأوضح أن الحد الأدنى للمعاشات، الذي يبلغ حالياً نحو 1000 درهم، سيرتفع إلى 1700 درهم، في إجراء يُنتظر أن يستفيد منه حوالي 500 ألف متقاعد، بينهم أكثر من 150 ألف أرملة. ويرمي هذا التدبير إلى تحسين الموارد المالية للمتقاعدين ومساعدتهم على مواجهة تكاليف المعيشة المرتبطة بالسكن والتغذية والصحة وغيرها من النفقات الأساسية.

كما أعلن الوزير عن رفع نسبة معاش الأرامل من 50 في المائة إلى 100 في المائة، بما يتيح لنحو 401 ألف أرملة الاستفادة من هذا الإجراء. وقدر الكلفة الإجمالية للتدابير المتعلقة بالتقاعد والمعاشات بحوالي 10 مليارات درهم، مؤكداً ضرورة توفير الإمكانيات المالية اللازمة لتنفيذها.

وفي ما يتعلق بنفقات الطاقة، أعلن أن الدولة ستتحمل فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم لفائدة نحو ستة ملايين زبون، أي ما يعادل 60 في المائة من مجموع الزبناء المعنيين، بكلفة تقدر بملياري درهم. وسيبدأ تنفيذ هذا الإجراء ابتداءً من فاتح يناير، بهدف تخفيف الأعباء المرتبطة بالاستهلاك المنزلي، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر ذات الاستهلاك المحدود.

وبخصوص الدعم الاجتماعي المباشر، أعلن الوزير عن الشروع في الرفع التدريجي للمبالغ المخصصة للأسر المستفيدة ابتداءً من يناير، مع تحديد مبلغ 600 درهم ضمن المرحلة المعلنة، وصولاً إلى 1000 درهم في أفق سنة 2031. وشدد على أن الدعم لا ينبغي اختزاله في تحويلات مالية، بل يتعين التعامل معه باعتباره حقاً للأسر المستحقة وآلية لتحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية وتعزيز قدرتها على الاندماج في سوق الشغل.

واعتبر لقجع أن اشتغال أحد أفراد الأسرة لا ينبغي أن يشكل وحده سبباً لحرمانها من الدعم، ما دام استحقاقها قائماً وفق المعايير المعتمدة. ويهدف هذا التوجه إلى تفادي تحول ممارسة العمل إلى عامل إقصاء من منظومة المساعدة الاجتماعية، مع الحفاظ على ضوابط الاستفادة وتوجيه الموارد إلى الفئات المعنية.

كما كشف الوزير عن توجه نحو مراجعة معايير تحديد الأسر المستفيدة، من خلال الانتقال التدريجي من الاعتماد على المؤشر السوسيو اقتصادي إلى اعتماد الدخل الأسري معياراً أساسياً لتحديد الاستحقاق. وأوضح أن تقييم التجربة السابقة أظهر حالات لم تستفد فيها أسر محتاجة بسبب طبيعة المؤشر المعتمد، الأمر الذي يستدعي تحسين آليات الاستهداف وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.

وأقر الوزير بأهمية البناء على المكتسبات التي تحققت خلال المرحلة السابقة، مشيراً إلى مساهمة الحكومة السابقة في إرساء مسار الدعم الاجتماعي. لكنه اعتبر أن الممارسة العملية أظهرت الحاجة إلى تطوير معايير الاستفادة وتصحيح الاختلالات التي قد تحول دون وصول المساعدات إلى الأسر التي تحتاج إليها فعلياً.

وبموازاة الرهانات الاقتصادية والاجتماعية، شدد لقجع على ضرورة مواصلة تثمين المكتسبات الدبلوماسية التي حققها المغرب في قضية الصحراء المغربية تحت القيادة الملكية. وأكد أهمية التعبئة الوطنية والدبلوماسية للدفاع عن الوحدة الترابية وتعزيز موقع المملكة على الساحة الدولية.

وأكد في هذا الإطار أهمية الإشادة بقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الداعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها مقترحاً سياسياً تطرحه المملكة في إطار مساعي التوصل إلى حل نهائي للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية على أساس السيادة المغربية. ويعكس هذا التوجه حرص المغرب على صيانة المكتسبات المحققة وتحصينها، ومواصلة الدفاع عن قضيته الوطنية الأولى في مختلف المحافل الدولية.

كما أبرز الوزير الأدوار التي تضطلع بها القوات المسلحة الملكية ومختلف الأجهزة الأمنية والإدارية في حماية الحدود الوطنية وصون الأمن والاستقرار والحفاظ على الوحدة الترابية. وقدم التنويه بالتضحيات التي تقدمها هذه المؤسسات في سبيل حماية المصالح الاستراتيجية للمملكة ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

وتتقاطع هذه الرسائل مع الرهان الذي يطرحه مشروع قانون المالية لسنة 2027، والمتمثل في الجمع بين تعزيز مكانة المغرب خارجياً وتطوير أدائه الاقتصادي والاجتماعي داخلياً. بما يجعل الدبلوماسية والعمل المؤسساتي والسياسات العمومية مكونات متكاملة في خدمة المصالح العليا للبلاد.

وبين الإجراءات المعلنة لفائدة المتقاعدين والأرامل والأسر المستفيدة من الدعم، والتوجه نحو مراجعة معايير الاستحقاق وتخفيف أعباء الكهرباء، يطرح المشروع أسئلة مرتبطة بكلفة الالتزامات الاجتماعية ومصادر تمويلها وشروط تنزيلها. كما يبقى الانتقال من الأهداف المعلنة إلى النتائج الفعلية مرتبطاً بتحديد آليات التنفيذ وضمان استمرارية التمويل وشفافية الاستفادة.

ومن المرتقب أن يشكل النقاش البرلماني حول المشروع محطة أساسية لتقييم مدى انسجام التوجهات الاقتصادية مع الالتزامات الاجتماعية، وقياس قدرة الحكومة على تحويل وعودها إلى إجراءات قابلة للتتبع والمحاسبة. في وقت تؤكد فيه الحكومة أن المرحلة الجديدة تستهدف تجاوز اختلالات الماضي، وإرساء نموذج تنموي أكثر توازناً يجمع بين خلق الثروة والإنصاف الاجتماعي، ومواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية والمكتسبات الدبلوماسية للمملكة.

التعليقات

0

أضف تعليقاً

الحروف المتبقية - 1000 / 1000
شروط النشر:
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي جورنال24. نرجو الالتزام بآداب الحوار وتجنب التجريح والسب والقذف.