يقف أحمد التوفيق كواحدة من أكثر الشخصيات استثناءً ورصانة. فبعيداً عن الصراعات الحزبية والسجالات الانخابية، استطاع هذا المؤرخ والروائي أن يجسد مفهوم “رجل الدولة التكنوقراط” الذي أُسندت إليه واحدة من أعقد الحقائب الوزارية وأكثرها حساسية: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
استمرارية سياسية غير مسبوقة
منذ تعيينه لأول مرة على رأس الوزارة سنة 2002، حطّم أحمد التوفيق الأرقام القياسية في الاستمرارية الحكومية بالمغرب؛ إذ حافظ على منصبه لأكثر من عقدين من الزمن متجاوزاً التغيرات السياسية وتقلبات الأحزاب واستحقاقات الانتخابات المتعاقبة. يعكس هذا البقاء الاستثنائي الثقة الملكية العالية في قدرته الإدارية، ومدى نجاحه في إدارة قطاع استراتيجي يمس الوجدان الجماعي للأمة.
تجلت الرؤية السياسية والإدارية للتوفيق في قدرته على إعادة هيكلة الحقل الديني وتحديث مؤسساته عقب التحولات الوطنية والدولية الكبرى في بدايات القرن الحالي. وقد ارتكزت إستراتيجيته على:
حماية الأمن الروحي: ترسيخ الثوابت الدينية الوطنية القائمة على الوسطية والاعتدال (المذهب المالكي، العقيدة الأشعرية، والتصوف السني).
مأسسة التأطير الديني: العناية بتأهيل الأئمة والمرشدين، وتطوير التعليم العتيق، وضبط الخطاب المسجدي لحمايته من أي استغلال إيديولوجي أو متطرف.
الدبلوماسية الروحية: امتداد أدائه السياسي إلى المجال الدولي والإفريقي، خاصة من خلال دوره كـ “رئيس منتدب لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة”، مما جعل التدين المغربي قوة ناعمة تنشر قيم التعايش والسلم في القارة السمراء.

