جورنال 24
الثلاثاء, 6 أكتوبر 2026

القنب الهندي بشفشاون من يربح ومن يدفع الثمن؟

بعد سنوات قليلة من دخول القانون رقم 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي حيز التنفيذ، لم يعد السؤال في إقليم شفشاون هو: هل ينبغي تقنين هذه الزراعة أم لا؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا: هل استطاع التقنين فعلا أن يحول محصولا ظل لعقود جزءا من الاقتصاد غير المهيكل إلى مورد مستدام يحفظ للفلاح دخله وكرامته ومستقبل أرضه؟ الأرقام الرسمية تمنح الانطباع بوجود توسع لافت؛ ففي 2025 بلغت المساحات المزروعة قانونيا في المناطق المرخصة بإقليم شفشاون نحو 1.347 هكتارا، مقابل 616 هكتارا سنة 2024، مع 1.435 فلاحا موزعين على 104 تعاونيات، كما بدأت وحدات للتثمين والتحويل في الظهور بالإقليم، وعلى المستوى الوطني، تجاوز الإنتاج القانوني المحصود سنة 2025 19.576 قنطارا من المادة الجافة، مقابل 18.810 قنطاراً في 2024.

 

وهذه مؤشرات على نجاح مشروع التقنين في بناء إطار قانوني وتوسيع قاعدة المنخرطين، لكنها لا تكفي وحدها لإعلان نجاح اقتصادي واجتماعي مكتمل، لأن نجاح الفلاح لا يقاس بعدد الرخص والهكتارات، وإنما بما يبقى في جيبه بعد البيع وفي نهاية الموسم.

 

والاختبار الأصعب هنا هو السوق والأداء المالي. فالمعطيات المتاحة لا تسمح بالقول إن جميع الفلاحين يتوصلون بمستحقاتهم فور تسليم المحصول؛ بل إن سنة 2025 وبداية 2026 كشفتا عن اختلالات حقيقية في هذه السلسلة. ففي نونبر 2025 أكدت معطيات مرتبطة بالوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي أن الوكالة شددت على عدم منح تراخيص الموسم الموالي للشركات أو التعاونيات التحويلية التي لم تسوِّ مستحقات الفلاحين عن موسمي 2024 و2025، كما اشترطت أن تكون المساحات المرخصة مرتبطة بتسويق كامل المحصول وأداء المستحقات داخل الآجال.

 

وفي ماي 2026 نقلت تقارير ميدانية شكايات تعاونيات بتاونات من استمرار تأخر الأداء؛ بل إن أحد رؤساء التعاونيات تحدث عن مستحقات تناهز 750 ألف درهم لفائدة منخرطيه، بينما قالت تعاونية أخرى إن عقودا أبرمت على أساس أداء الجزء المتبقي من الثمن بعد 120 يوما من التسليم دون أن يتم ذلك في الحالات التي اشتكت منها.

 

وفي شتنبر 2026 تم تسجيل تأخر في أداء المستحقات وأن مشكل التسويق بات من أبرز الإكراهات أمام استمرارية النشاط، وهذه الوقائع تخص أساسا تاونات، ولا يجوز تعميمها آليا على كل تعاونيات شفشاون، لكنها تكشف أن المنظومة الوطنية نفسها لم تصل بعد إلى مرحلة يمكن فيها اعتبار أداء ثمن المحصول مسألة مضمونة ومنتظمة في جميع الحالات.

 

ومن هنا تبرز مسؤولية موزعة، لا يصح اختزالها في جهة واحدة: الشركة أو التعاونية التحويلية مدينة للفلاح بما ينص عليه العقد التجاري، والتعاونية الفلاحية وسيط منظم بين المنتج والسوق، فيما تتحمل ANRAC مسؤولية التنظيم والتتبع والمراقبة وربط الترخيص باحترام القواعد، وهذا ما يجعل قرار الوكالة بعدم تجديد التراخيص لمن لم يسوِّ المستحقات مؤشرا مهما على أن مشكلة الأداء ليست خارج المنظومة التنظيمية، وإنما أصبحت جزءا من شروط استمرار الفاعلين فيها.

 

أما بالنسبة إلى مستحقات الموسم الماضي، فلا تتوفر، في المصادر العمومية التي أمكن التحقق منها حتى 6 أكتوبر 2026، حصيلة رسمية مفصلة تُبين قيمة الديون العالقة في إقليم شفشاون تحديدا أو تؤكد أن جميع مستحقات 2025 سُويت بالكامل؛ ولذلك سيكون من غير المهني القول إن الملف أغلق، كما سيكون من غير الدقيق اتهام كل الفاعلين بالتملص.

 

السؤال الذي ينبغي أن يطرح محليا هو: كم من طن سُلّم في شفشاون؟ وكم أُدي ثمنه؟ وما هي آجال الأداء الفعلية في كل عقد؟ ومن يتحمل كلفة التأخير عندما يضطر الفلاح إلى الاستدانة لتمويل الموسم التالي؟ فالتقنين الذي يخرج الفلاح من الخوف القانوني لكنه يبقيه رهين الديون وانتظار مستحقاته، يحتاج إلى إصلاح عميق في الحوكمة التجارية لا إلى مزيد من التراخيص فقط.

 

أما القول إن التقنين أصبح الحل الوحيد لاستدامة شفشاون، فهو اختزال لواقع أعقد بكثير، صحيح أن إدخال الفلاح في الاقتصاد القانوني يمنحه اعترافا رسميا بنشاطه، ويبعده عن منطق السوق غير المشروع، وقد ساهم العفو الملكي لسنة 2024 في تشجيع مزيد من المزارعين على الانخراط في التعاونيات القانونية؛ لكن مستقبل الإقليم لا يمكن أن يُبنى على محصول واحد.

فالشفشاوني يحتاج إلى القنب، لكنه يحتاج أيضا إلى الماء، وتثمين الزيتون والتين والعسل والمنتجات المجالية، والسياحة القروية، وتربية المواشي، والطرق، والتعليم، والصحة وفرص الشغل. والأخطر أن البعد البيئي ما يزال أضعف حلقات النقاش؛ فدراسة علمية منشورة في International Journal of Drug Policy سنة 2025 خلصت إلى أن انتقال زراعة القنب في الريف إلى النموذج القانوني قد يحمل فرصا للاستدامة، لكنه قد يفاقم الضغوط البيئية مع انتشار الأصناف الهجينة والزراعة المكثفة والاحتياجات المرتفعة للماء والمواد الكيميائية.

 

كما خلصت دراسة حول الموارد المائية بإقليم شفشاون إلى أن الثروة المائية تعرف تراجعا مرتبطا بتوالي سنوات الجفاف والضغط على الموارد، مع إدراج زراعة القنب ضمن العوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار، وفي مارس 2026 سجل حوض اللوكوس عجزاً مائياً تراكمياً خلال السنوات السابقة، حتى وإن تحسنت الوضعية المطرية خلال الفترة الأخيرة؛ وهو ما يعني أن وفرة موسم واحد لا تلغي سؤال الأمن المائي طويل الأمد.

 

والدرس الذي تقدمه تجارب دول أخرى هو أن التقنين ينجح عندما تُبنى حول الفلاح سلسلة اقتصادية كاملة، لا عندما يُكتفى بتقنين الحقل، أوروغواي مثلا طورت قنوات قانونية متعددة للاستعمالات المشروعة، وتضم منظومة الاستعمال للبالغين التسجيل عبر الصيدليات والأندية والزراعة الذاتية، فيما ترخص الدولة للمزارعين والفاعلين التجاريين ضمن نظام رقابي مستقل.

وكندا بنت سوقا أوسع تجمع بين الاستعمال الطبي وغير الطبي، مع تراخيص اتحادية للزراعة والتحويل والبيع ومنظومة بيانات رسمية للمبيعات والمخزون والمساحات المرخصة، إلى جانب قواعد للإنتاج وجودة المياه وإعادة استعمالها في المنشآت المرخصة.

 

أما المغرب، فما يزال نموذجه أضيق: فالزراعة القانونية محصورة في شفشاون والحسيمة وتاونات، والاستعمالات المرخصة هي الطبية والصيدلية والصناعية، بينما تظل الصناعة المحلية والتصدير والأسواق النهائية في طور البناء؛ ومع ذلك بدأت تظهر مؤشرات على تقدم حقيقي، من بينها تصدير منتجات «البلدية» إلى الخارج، وبلوغ عدد المنتجات القائمة على القنب الهندي المتاحة في السوق المغربية 161 منتجا إلى منتصف يوليوز 2026، في وقت لم تصبح فيه الأدوية المستخلصة من القنب متاحة فعلياً بالصيدليات بعد.

 

لذلك فإن الخلاصة بالنسبة إلى شفشاون ليست أن التقنين فشل ولا أنه نجح وانتهى الأمر، بل أن التقنين نجح في فتح الباب، لكنه لم يثبت بعد أنه قادر وحده على ضمان الاستدامة؛ والاستدامة الحقيقية تبدأ حين يعرف الفلاح قبل أن يزرع لمن سيبيع، وبأي سعر، ومتى سيقبض، وكم سيستهلك من الماء، وما البدائل المتاحة له إذا تعثر السوق.

 

عندها فقط يمكن القول إن التقنين حفظ فعلا ماء وجه الفلاح، لا مجرد وضع محصوله تحت مظلة القانون.

التعليقات

0

أضف تعليقاً

الحروف المتبقية - 1000 / 1000
شروط النشر:
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي جورنال24. نرجو الالتزام بآداب الحوار وتجنب التجريح والسب والقذف.