جورنال 24
الإثنين, 14 سبتمبر 2026
إعلانإعلان
إعلان إعلان
إعلانإعلان
إعلان إعلان

الرؤية الملكية للجهوية المتقدمة: نحو نموذج جديد للحكامة والتنمية الترابية

تحتل الجهوية المتقدمة مكانة محورية في الرؤية الملكية لبناء مغرب حديث ومتوازن، باعتبارها ورشا استراتيجيا يتجاوز مجرد اعادة توزيع الاختصاصات بين الادارة المركزية والمجالس الترابية. فهي تعكس تصورا جديدا للدولة ولطريقة تدبير الشان العام، يقوم على جعل المجال الترابي شريكا حقيقيا في صناعة التنمية، وعلى تقريب القرار من المواطن، وتعزيز فعالية المؤسسات، وتحقيق العدالة بين مختلف جهات المملكة.

وتنطلق هذه الرؤية من قناعة مفادها ان قوة الدولة الحديثة لا تقاس فقط بفعالية مؤسساتها المركزية، وانما كذلك بقدرتها على تمكين الجهات من الوسائل والصلاحيات والموارد التي تسمح لها بالتخطيط والاستباق والاستجابة لحاجيات السكان. ومن هنا، فان الجهوية المتقدمة تندرج ضمن مشروع اصلاحي شامل يروم الانتقال من تدبير اداري يقوم اساسا على المركزية الى حكامة ترابية اكثر قربا ونجاعة ومشاركة.

الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي
تقوم الرؤية الملكية على اعتبار الجهة مستوى اساسيا من مستويات التنمية والحكامة، وليس مجرد تقسيم اداري. فالجهة، وفق هذا التصور، مطالبة بان تتحول الى فضاء لصناعة المبادرة واقتراح الحلول وتعبئة الامكانات المحلية، وان تضطلع بدور اكبر في تحديد اولويات التنمية وترجمتها الى برامج ومشاريع تستجيب للواقع المحلي.

إعلان
إعلان

ويعكس هذا التوجه ادراكا بان المغرب يتميز بتنوع كبير في مؤهلاته الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية والثقافية، وان اعتماد نموذج موحد في التنمية قد لا يكون قادرا على الاستجابة بالقدر نفسه لحاجيات جميع المجالات. لذلك، تتيح الجهوية المتقدمة امكانية بناء سياسات عمومية اكثر ارتباطا بخصوصيات كل جهة، واكثر قدرة على استثمار مواردها ومؤهلاتها وتحويلها الى فرص حقيقية للتنمية.

ان الامر يتعلق، في جوهره، باعادة الاعتبار للمجال باعتباره عنصرا فاعلا في التنمية، بدل النظر اليه باعتباره مجرد مجال لتطبيق قرارات يتم اتخاذها في مستويات اخرى.

من المركزية الادارية الى التكامل بين الدولة والجهات
لا تقوم الرؤية الملكية على اقامة تعارض بين الدولة المركزية والجهات، ولا على اضعاف دور الدولة، وانما على بناء علاقة جديدة بين مختلف مستويات الحكامة. فالجهوية المتقدمة تقتضي توزيعا اكثر عقلانية للمهام والاختصاصات، مع الحفاظ على وحدة الدولة وتماسكها وضمان التضامن بين مختلف المجالات.

وبذلك، تصبح العلاقة بين المركز والجهة قائمة على التكامل والتنسيق والتعاون، بحيث تضطلع الدولة بادوارها الاستراتيجية في مجال التخطيط الوطني وضمان التوازن والتضامن، بينما تمنح الجهات مجالا اوسع للمبادرة والتدبير والاستجابة للحاجيات المحلية.

وهذا التحول يعكس فلسفة جديدة في ممارسة السلطة العمومية، قوامها ان القرب من المواطن يقتضي منح الفاعلين المحليين القدرة على اتخاذ القرار، مع اخضاع ممارسة الاختصاصات لمبادئ المسؤولية والمساءلة والرقابة.

العدالة المجالية في صلب الرؤية الملكية
تحتل العدالة المجالية موقعا اساسيا في الرؤية الملكية للجهوية المتقدمة. فالتنمية لا يمكن ان تكون ناجحة اذا ظلت الفوارق بين المناطق قائمة، او اذا اختلفت فرص المواطنين في الاستفادة من الخدمات الاساسية تبعا لمكان اقامتهم.

ومن ثم، فان الجهوية المتقدمة مطالبة بالمساهمة في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وضمان الولوج العادل الى التعليم والصحة والماء والسكن والنقل وفرص الشغل وغيرها من الخدمات الاساسية.

فالعدالة المجالية لا تعني فقط توزيع الاستثمارات بين الجهات، وانما تعني كذلك ضمان اثر فعلي لهذه الاستثمارات على حياة المواطنين. ولهذا، ينبغي ان تنتقل السياسات الترابية من التركيز على حجم المشاريع وعددها الى قياس النتائج التي تحققها ومدى مساهمتها في تحسين الظروف المعيشية للسكان.

المواطن محور الحكامة الترابية
تضع الرؤية الملكية المواطن في قلب عملية الاصلاح الترابي. فالغاية النهائية من الجهوية المتقدمة ليست اعادة ترتيب المؤسسات فحسب، وانما جعل الادارة والسياسات العمومية اكثر قربا من المواطن واكثر استجابة لتطلعاته.

ومن هنا تبرز اهمية اليات الانصات والتشاور والمشاركة والشفافية، باعتبارها ادوات لاعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالمواطن ينبغي الا يكون مجرد مستفيد من الخدمات العمومية، وانما شريكا في تحديد الاولويات وتقييم السياسات والمشاريع التي تستهدف مجاله.

وتاسيسا على ذلك، فان نجاح الجهوية المتقدمة يرتبط بمدى قدرة المؤسسات الترابية على الانتقال من منطق التدبير التقليدي الى منطق الحكامة التشاركية، حيث تتفاعل المجالس الترابية والادارة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون حول اولويات التنمية.

الجهة كرافعة للتنمية الاقتصادية
تتجاوز الرؤية الملكية البعد الاداري للجهوية لتمنحها بعدا اقتصاديا واضحا. فالجهة مدعوة الى ان تصبح فاعلا اساسيا في تحفيز الاستثمار، ودعم المقاولة، وخلق فرص الشغل، وتشجيع الابتكار، واستثمار المؤهلات المحلية.

ويقتضي ذلك التعرف على نقاط القوة التي تتميز بها كل جهة، والعمل على تطويرها ضمن رؤية استراتيجية واضحة. فالمؤهلات الفلاحية والسياحية والصناعية والطاقية والثقافية وغيرها يمكن ان تتحول الى محركات للتنمية اذا تم استثمارها وفق رؤية ترابية مندمجة.

وبذلك، يصبح التنوع بين الجهات عنصرًا للتكامل بدل ان يكون مصدرًا للفوارق، وتتحول الخصوصيات المحلية الى رافعة لبناء اقتصاد ترابي اكثر دينامية وقدرة على خلق الثروة وفرص الشغل.

حكامة استباقية لمواجهة تحديات المستقبل
تتسم الرؤية الملكية كذلك ببعد استشرافي، اذ لا تقتصر الجهوية المتقدمة على معالجة الاختلالات الحالية، وانما تهدف الى بناء جهات قادرة على الاستعداد للتحولات المستقبلية.

فالتغير المناخي، والتحول الرقمي، والتطور التكنولوجي، والتحولات الديموغرافية، وتغير انماط الانتاج والاستهلاك، كلها تحديات تفرض تطوير قدرات الجهات في مجال الاستشراف والتخطيط والاستجابة للازمات.

ومن ثم، تحتاج الجهات الى موارد بشرية مؤهلة، وامكانات مالية كافية، ونظم معلومات فعالة، وادوات حديثة للتخطيط والتقييم، حتى تصبح قادرة على الانتقال من التدبير ورد الفعل الى الاستباق وصناعة الحلول.

الاستثمار في الانسان والمؤسسات
تؤكد الرؤية الملكية، بشكل اساسي، ان نجاح الجهوية المتقدمة لا يتوقف على النصوص القانونية والهياكل المؤسساتية فقط، بل يرتبط ايضا بكفاءة الاشخاص والمؤسسات المكلفة بتنفيذها.

فالاختصاصات الجديدة تحتاج الى منتخبين ومسؤولين قادرين على التخطيط والتدبير والتفاوض وتعبئة الموارد وتقييم السياسات. كما تتطلب تعزيز القدرات الادارية والتقنية للجهات، وتحسين التنسيق بين مختلف مستويات القرار، وتقوية اليات الرقابة والمساءلة.

وفي هذا السياق، يكتسي ادماج الشباب والنساء والفئات الاجتماعية المختلفة اهمية خاصة، باعتبار ان التنمية الترابية لا يمكن ان تكون شاملة دون مشاركة جميع مكونات المجتمع والاستفادة من طاقاتها ومبادراتها.

الجهوية المتقدمة والانفتاح الافريقي
لا تتوقف الرؤية الملكية عند حدود التنمية الداخلية، وانما تمنح للجهوية بعدا افريقيا من خلال التعاون اللامركزي. فالجهات المغربية يمكن ان تصبح جسورا للتعاون مع نظيراتها الافريقية، عبر تبادل التجارب والخبرات، وتنفيذ مشاريع مشتركة، وتقوية القدرات المحلية.

وبذلك، تصبح الجهوية المتقدمة جزءا من رؤية اوسع للتعاون جنوب-جنوب، حيث لا تقتصر العلاقات الافريقية على المستوى المركزي، وانما تمتد الى الجهات والجماعات والمؤسسات المحلية، بما يعزز التكامل والتنمية المشتركة.

ان الرؤية الملكية للجهوية المتقدمة تمثل تحولا عميقا في فلسفة تدبير المجال والتنمية بالمغرب. فهي لا تختزل في نقل بعض الاختصاصات من المركز الى الجهات، وانما تسعى الى بناء نموذج جديد للحكامة يقوم على القرب والمشاركة والفعالية والانصاف والمساءلة.

وتكمن اهمية هذه الرؤية في انها تجعل من الجهة فاعلا في التنمية، ومن المواطن محورا للسياسات العمومية، ومن العدالة المجالية هدفا اساسيا، ومن التضامن بين المجالات قاعدة للحفاظ على وحدة الدولة وتماسكها.

وعليه، فان الرهان الحقيقي للجهوية المتقدمة يتمثل في الانتقال من جهات تنفذ السياسات الى جهات تصنع المبادرات، ومن حكامة تركز على الوسائل الى حكامة تقيس النتائج، ومن تنمية تدار من المركز الى تنمية تنبني على خصوصيات المجالات.

 

التعليقات

0

أضف تعليقاً

الحروف المتبقية - 1000 / 1000
شروط النشر:
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي جورنال24. نرجو الالتزام بآداب الحوار وتجنب التجريح والسب والقذف.