تتسع دائرة الغضب العمومي يوماً بعد يوم بسبب تفاقم سوء استغلال سيارات الجماعات الترابية والمجالس الإقليمية، في ظل تواتر معطيات وصور وفيديوهات توثق استخدام هذه السيارات في أغراض شخصية بعيدة كل البعد عن المهام الرسمية. هذا السلوك، الذي يتكرر على مرأى المواطنين، فجّر موجة استنكار واسعة باعتباره اعتداءً على المال العام وإهانة صريحة لمبادئ الحكامة والشفافية.
المرصد المغربي لحماية المستهلك خرج بموقف شديد اللهجة، معبّراً عن “قلق بالغ” حيال ما اعتبره “ظاهرة لم تعد حالات معزولة”، بل ممارسة ممنهجة تُضعف ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة وتسيء لصورة المرفق العمومي. المرصد أكد أن ما يجري يمثل انحرافاً خطيراً يستوجب تدخلاً فورياً من السلطات الوصية.
ورغم أن القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات، والقانون 112.14 الخاص بالعمالات والأقاليم، يفرضان استعمال سيارات الدولة حصرياً في المهام الإدارية والخدماتية، إلا أن الواقع يكشف—بحسب المرصد—خرقاً صارخاً للقانون يتمثل في قيادة المنتخبين لهذه السيارات خارج أوقات العمل، ووضعها رهن إشارة أفراد أسرهم، بل واستعمالها خلال العطل ونهايات الأسبوع.
ويؤكد المرصد أن هذه التجاوزات تشكل تبديداً مباشراً للمال العام، من خلال استهلاك غير قانوني للمحروقات، وصيانة مكلفة تتحملها ميزانيات الجماعات، واستخدام السيارات في تنقلات غير مهنية، بل وفي حملات انتخابية غير معلنة. ويزيد من خطورة الوضع غياب سجلات دقيقة لحركة السيارات، وضعف مراقبة الوقود وقطع الغيار.
وذكّر المرصد بأن الفصل 36 من الدستور يجرّم استغلال النفوذ وتبديد المال العام، وأن المادة 241 من القانون الجنائي تُكيّف استعمال ممتلكات الدولة في أغراض خاصة باعتباره جريمة يعاقب عليها القانون. كما أكد أن كل درهم يُهدر خارج الضوابط هو في النهاية اقتطاع من جيب المواطن الذي يتحمل أعباء الضرائب في ظل غلاء معيشة متفاقم.
وأمام هذه الاختلالات المتنامية، طالب المرصد المغربي لحماية المستهلك وزارة الداخلية والمفتشية العامة للإدارة الترابية بفتح تحقيق وطني شامل في طرق استعمال سيارات الجماعات الترابية عبر جميع الأقاليم، وتفعيل الآليات الزجرية وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق الفصل 154 من الدستور.
كما دعا إلى نشر لوائح السيارات العمومية وتحديد مهامها الرسمية، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لترسيخ الشفافية وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتهم. وشدد على أن المال العام ليس امتيازاً للمنتخبين، بل أمانة تستوجب أعلى درجات الانضباط.
وختم المرصد بالتأكيد على أنه سيواصل متابعة هذا الملف عبر القنوات القانونية والإعلامية، باعتبار أن حماية المال العام شرط لحماية المستهلك ومحاربة الفساد بكل أشكاله.





